تحقيقات - ملفات

كورونا يجهز على فوكوياما… فكريا

روسيا اليوم

في عام 1989 كتب أستاذ العلوم السياسية الأمريكي ذو الأصول اليابانية فرنسيس فوكوياما مقالا بعنوان “نهاية التاريخ” في مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية.

فوكوياما أكد في هذا المقال حلول “نهاية تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية إلى غير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وسقوط سور برلين، وانتصار قيم الديمقراطية الغربية”، التي ستملأ الأرض قسطا وعدلا!
وفي عام 1992، وفي غمرة الزهو المتواصل بتفكك الاتحاد السوفياتي، نشر فوكوياما كتابا بعنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، جاء فيه أن “ما نشهده هو نهاية التطور الإيديولوجي للجنس البشري وعولمة الديمقراطية الليبرالية الغربية باعتبارها الشكل النهائي للحكومة البشرية”.
ومن الواضح أن فوكوياما أراد معارضة فكرة نهاية التاريخ في نظرية “المادية التاريخية” الشهيرة، التي أكد فيها كارل ماركس أن نهاية تاريخ الاضطهاد الإنساني ستحل عندما تزول الفروق بين الطبقات.
لكن، وعلى الرغم من الشهرة، التي حظي بها آنذاك منظِّـر جماعة “المحافظين الجدد”، الذين أداروا دفة الحكم الأميركية من وراء الكواليس من دون أن ينتخبهم أحد، فإن غثاثة هذه النظرية الراديكالية وتهافتها الكاملين ظهرا واضحين للعِيان الآن بعد مرور نحو ثلاثة عقود من الزمن على نشرها.
إذ إن التمدد الغربي، الذي تلا تقوض أركان الصرح الاشتراكي، لم يكن “نهاية التاريخ”، بل لعله كان بداية الانهيار، الذي يلي انبساط حدود الإمبراطوريات إلى مساحات شاسعة تعجز عن استيعابها. وذلك ليس وقفا على الدولة السوفياتية، هكذا كان الأمر مع الإمبراطورية الرومانية الزراعية، وهذا ما ينتظر الإمبراطورية الغربية ما بعد الصناعية.
وقد تلقت “الليبرالية الديمقراطية” صفعة مدوية بانتصار دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، بشهادة الأمريكيين والأوروبيين أنفسهم.
آنذاك، قال المحلل السياسي، ومقدم برنامج “جي بي إس” الأسبوعي على شبكة “سي إن إن” فريد زكريا، إن دونالد ترامب، هو “سرطان الديمقراطية الأمريكية”.
ثم بدأ بعد ذلك انحدار أميركا إلى الترهل الاجتماعي في ظل رئيس بدأ يحكم الإمبراطورية بدماغ المشعوذ لا بدماغ رجل الدولة.
وفي العام المنصرم، قال الكاتب الأميركي مايكل هيرش في مقال له نشرته مجلة “فورين بوليسي” (ترجمة “الجزيرة” 10/8/2019) إن “دول العالم بدأت في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتصرف وكأن لا وجود للولايات المتحدة”.
وفسر هيرش إعطاء كثير من دول العالم ظهرها للولايات المتحدة بأن “هذه الدول ظلت تتبين بشكل متزايد أن واشنطن في عهد ترامب لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة، وليست لديها رغبة حتى في التعرف إلى مصالح الآخرين”.
وأضاف أن “شعار ترامب الشهير “أميركا أولا” قد تحوّل الآن إلى “أميركا وحدها فقط”.
هذا، وقد بدأت العزلة الأمريكية الراهنة سنة 2017 بإعلان الرئيس الأمريكي انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ.
ثم بانسحاب الولايات المتحدة في سنة 2018 من الاتفاق النووي الدولي مع إيران، الذي كان يحول دون امتلاك هذه الدولة أسلحة نووية.
وكذلك بعد انسحاب الولايات المتحدة رسميا من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، التي كان ريغان وغورباتشوف قد وقعاها للحد من البرامج النووية للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
وغني عن القول إن كل ذلك جعل العالم على شفا جرف هار من الكارثة.
وقد صدق ناشر «نيويورك تايمز” آرثر سالزبيرغر حين قال إن أمريكا العظمى هي في الانسان الأميركي، وليست في أبراج دونالد ترامب ولا في تغريداته أو حماقاته.
بيد أن معلق “الفايننشال تايمز” جدعون رحمن كتب قبل أسبوعين أن “من السهل على الكثيرين في الغرب أن ينتقدوا ترامب، ولكن من الصعب عليهم الاعتراف بالعلل الموجودة في النظام الديمقراطي الأمريكي، الذي وضع رجلا عديم الكفاءة في البيت الأبيض”.
وها هي “الليبرالية الديمقراطية”، التي بشر بها فوكوياما بوصفها آخر ما يمكن أن تتوصل إليه البشرية، تتلقى صفعة مدوية أخرى هذه الأيام بعد تمكن الصين من تقديم نموذج مختلف – ليس ديمقراطيا ولا ليبراليا – في احتواء فيروس كورونا.
ذلك في حين أن الولايات المتحدة تجد نفسها في حالة تخبط كبير بعد انتشار الفيروس فيها.
أما إيطاليا، مهد النهضة الأوروبية، فتخلت عنها أمريكا والاتحاد الأوروبي ووجدت نفسها ضعيفة في كل شيء، من دون علاجات كافية، تواجه الجائحة وحيدة، ولم تجد من يساعدها غير الصين وروسيا. وزاد الطين بلة أن تشيكيا صادرت مساعدات صينية طبية كانت متجهة إليها، ما جعل الحديث عن التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي شعارات جوفاء أمام المخاطر الوجودية.
أما في بريطانيا مهد الديمقراطية، فقد أتت الديمقراطية بحكومة فاشلة ورئيس وزراء متقلب المزاج لا يدري ما يجب فعله بالألوف من سكان بلاده، التي لم يتوقع أحد أن تكون بهذه الشيخوخة.
لقد قطع العالم شوطا طويلا منذ صدور تلك التنبؤات الوردية بعالم من السلام والازدهار بعد سقوط جدار برلين. لكن ما نشهده هو حروب طاحنة تلو حروب، وأزمات متفاقمة إثر أزمات، وفشل ذريع وراء فشل.
ودارت عجلة التاريخ مرة أخرى دورة كاملة مذ أن تفكك الاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من تنبؤات فوكوياما، فإن التاريخ عاد للانتقام. وما يعانيه الغرب اليوم ليس أزمة كمامات طبية فحسب. إذ إن الفشل في مواجهة جائحة فيروس كورونا ليس إلا قمة جبل جليد تتوارى تحته أزمات أعمق، في الفكر والاجتماع والسياسة والاقتصاد وغير ذلك.
وإن جدلية التاريخ تعمل الآن ضد الغرب، والعد التنازلي لنهاية هذه الحضارة اللبرالية المنفلتة من عقالها بغير ضوابط أو قيود قد بدأ.
بيد أن الحديث في ضوء هذه الانتكاسة الدورية عن “أفول الغرب” لا يزال مبكرا. وكذلك القول إن أيام الإمبراطورية الأميركية معدودة، ولا سيما أن زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر منحها 50 سنة أخرى من الاحتضار.
ومع ذلك، يمكن القول وبكل ثقة إن الرأسمالية لم تعد قدرا حتميا، ولا سيما أن جائحة الكورونا وجهت ضربة قاصمة إلى فكرة “نهاية التاريخ”، وقضت عليها نهائيا وعلى فكر فرنسيس فوكوياما وأمثاله من المنظرين الرأسماليين الحالمين.

حبيب فوعاني

مقالات ذات صلة

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى