الحدث

حكومة أو الفوضى!

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

حتى مساء أمس الأول، لم تكن المؤشرات الحكومية تدلّ إلى أي نوع من أنواع الحلحلة ولم يكن أي اتفاق قد رسى على اسم مرشح واضح ليتولى تأليف الحكومة، بل ان القضية برمتها بدا أنها تخضع للمراوحة وتقطيع الوقت. ما ظهرَ من قراءة كف القوى السياسية أنها تجرّد نفسها من أي مسؤولية حيال الأزمة الحكومية إنتظاراً ربّما لتطور ما في الإقليم. مع ذلك قرّر رئيس الجمهورية ميشال عون تحديد يوم الخميس الواقع في ١٥ الجاري موعداً للاستشارات النيابية الملزمة!

في أعقاب ذلك شهد القصر مد وجزر. كانت القضية عالقة عند رأيين. رأي يقول بضرورة التريث في تحديد موعد الاستشارات الملزمة حتى الأسبوع المقبل واستغلال “الشوط” الفاصل بين الأسبوعين لتمرير جرعة اتصالات علّها تفضي إلى تأمين توافق على إسم يفترض أن يحدده “الرباعي السني”، في المقابل ساد رأي آخر معاكس كلياً، مال تجاه حث الرئيس على تحديد موعد خلال الاسبوع الجاري وكان الأقرب ان يحدد الموعد في عطلة نهاية الأسبوع القادم أملاً في دفع الأمور إلى محاولة تفاهم، على قاعدة وضع حد للكلام القائل بمصلحة رئاسة الجمهورية في تفعيل حكومة تصريف الاعمال برئاسة حسان دياب وتالياً إخراج الرئاسة من دوامة الاتهام بالتعطيل ورمي الكرة عند الآخرين كي يتحملوا مسؤولياتهم وإستطراداً إظهار الرئاسة بمظهر أنها لا تعرقل الاستشارات وتعمل على استتباب الامر الدستوري بل أنها تبحث عن رئيس حكومة بالسراج والفتيلة.

سبق ذلك رسالة غربية وصلت إلى بيروت فحواها: “اسرعوا في تشكيل الحكومة واستغلوا المبادرة الفرنسية قبل أن تنضب، وعندها الخيار مرّ إما الحكومة أو الفوضى”.

لكن للقضية جوانب عدة أعمق من ذلك بكثير. للمرة الاولى منذ اتفاق الطائف تعبر القوى إلى معمودية الاستشارات من دون مرشح واضح المعالم تاركة الأمر الى الكتل المنقسمة على ذاتها، ما اعطى استشارات الخميس طابع “رفع المسؤولية”. ثمة جانب آخر. حسان دياب مثلاً، سبق وأن أبلغ المعنيين رفضه توسيع رقعة تصريف الاعمال في الحكومة “تحت أي ظرف” رداً على الاغراءات التي قدّمت إليه بإعادة “تركيب” إتفاق إطار جديد بينه وبين السلطة السياسية، لكنه فضل الرفض مبدياً استعداده لتسيير الاعمال “ضمن العناوين الضيقة” المتعارف عليها في الدستور. على الأرجح موقف دياب كان من تداعياته أن سرّع قرار الرئيس تحديد موعد الاستشارات.

المؤشرات السلبية استمرت. حتى ليل أمس، أي بعيد تحديد موعد للاستشارات. لم يكن ثمة وضوح بعد حيال المؤشرات السياسية الدالة إلى خريطة وتوجهات الكتل يوم الاستشارات على أمل أن تنشط المحركات مع طلوع شمس الاسبوع المقبل. مع ذلك بدت الامور معقدة، وخيل للمتابعين أن يوم الاستشارات لا بد أن يغلق على إشكال سياسي ما.

غالبية الكتل خياراتها غير واضحة. الاغلبية النيابية لم تتلقَ أي إقتراحات حول أسم، أما تصورها حيال سعد الحريري كمرشح مفترض كان مجمداً بفعل عدم الوضوح لدى الأخير. هناك كتل تربط عادةً خياراتها بضوء التسمية التي تخرج عن تيار المستقبل. هذه الاخيرة جلست تراقب شاشة الرداد بإنتظار حدوث خرق ما رغم قناعتها المسبقة أن لا من شيء إستثنائي متوقع حدوثه. تيار المستقبل تعامل مع تحديد الاستشارات ببرودة شديدة إلى حد ظهر وكأنه غير معني بها إطلاقاً رغم أن كتلته قد أدرجت على رأس الاستقبالات في قصر بعبدا، ما جعلها بالنسبة إلى أغلب الكتل تتخذ كبوصلة للتسمية. كتل أخرى وجدت في الأمر دلالة على محاولة من الرئاسة لقذف الكرة، لذا، فالاستشارات كلها على بعضها ما هي سوى خطوة لتعبئة الوقت أو تقديم مبادرة لفتح النقاش حول التفاهم على تسمية الرئيس المكلف العتيد، وفق تصور أوساط سياسية متابعة للاجواء الحكومية.

رئيس تيار المستقبل سعد الحريري المفترض أنه مرشح دائم لدخول السراي أغلق خطوطه الهاتفية. قبل يوم من تحديد موعد الاستشارات وصلت إشارات إلى “الشيخ سعد” حول توافر احتمال كبير لأن يدعو الرئيس لاستشارات نهاية الأسبوع على أن يكون هو (اي سعد) مرشحاً مفترضاً. أراد الحريري استباق الأمر. بادر إلى الاتصال وحجز موعد كضيف استثنائي على برنامج “صار الوقت” ليبق بعضاً من بحصاته أو ربما لقطع الطريق على أي محاولة مماثلة. للمصادفة أن تحديد موعد الاستشارات تزامن والاعلان موعد ظهور الحريري.

يريد الحريري تحديد موقفه من التطورات الراهنة ووضع النقاط على حروف المبادرة الفرنسية وغيرها لكن دون ان يدخل في اشتباك مع أحد، بدليل التوجيهات التي أصدرها إلى أعضاء كتلته النيابية ومسؤولي حزبه ومنهم إلى الجيش الالكتروني بعدم التعرض للثنائي الشيعي قبل المقابلة وخلالها وبعدها. هذا يعني أن الحريري يريد “صفر مشاكل”. هو يدرك تماماً ان الاشتباك مع الثنائي الشيعي مكلف في هذه المرحلة وقد يحول بينه وبين السراي لاحقاً. بالاضافة إلى ذلك، لا يريد مزيداً من التدهور في العلاقة مع عين التينة تحديداً، لذا أعاد تجديد “ربط النزاع” ولو بصيغة مختلفة.

الثابت حتى الآن أن موعد الاستشارات المحدد سيغدو محطة أولى يفترض أن ينطلق معها وبعدها النقاش حول التفاهم على إسم الرئيس المكلف إنسجاماً مع المبادرة الفرنسية. للحديث تتمة حول المبادرة ومستقبلها. سيأخذ النقاش حول التسمية وقته. أغلب الظن أن موعد الاستشارات سيجري تأجيله اسبوعاً إفساحاً في المجال أمام الاتفاق وقد يجري تمديد المهلة للهدف ذاته مرة اضافية أو مرات تبعاً للحيوية السياسية، هذا كله ربطاً بالتطورات التي لا تظهر حتى الآن أي إمكانية لتأليف حكومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى