الحدث

قضاة لا يكترثون للتعذيب: الحصانة أولاً

(هيثم الموسوي)

 

الأخبار- لينا فخر الدين

فتح عدد من القضاة النّار على كلّ من شارك وخطّط وأقرّ القانون 191 الرامي إلى تعزيز الضمانات الأساسيّة للموقوفين. وبدأت حملة جمع التواقيع على عريضة ستُرفع إلى رئيس الجمهوريّة بهدف الطّعن بالقانون. ما يستفزّ «أصحاب الثوب الأسود» هو رفع الحصانة عنهم وتعرّضهم للسجن والغرامة في حال عدم تطبيق القانون

 

استفاق القضاة من كبوتهم، لا للمطالبة باستقلاليّة القضاء، ولا للضغط لإصدار التّشكيلات القضائيّة، ولا حتّى لمواجهة من يعيق المحاسبة. كلّ هذا لم يدفع بـ«حراس العدالة» إلى الانتفاضة، بل ما مسّهم في الصميم هو قانون يرمي إلى تعزيز الضمانات الأساسيّة للموقوف وتفعيل حقوق الدّفاع، الذي نُشر في الجريدة الرسميّة في 22 تشرين الأوّل الماضي.
كان من المفترض أن تُشهر الأجهزة الأمنيّة أسلحتها في وجه القانون 191، على اعتبار أنّ تطبيقه يعني منعها من ممارسة الضغط والتعذيب على الموقوفين واتّباع الأساليب التقنيّة للبحث عن الأدلّة.
ولكن المُستغرب أنّ الضربة أتت ممّن نصّ قانون تنظيم القضاء العدلي وقانون أصول المحاكمات الجزائيّة على أن يكون ضامناً للحريّات العامة وحامياً لحقوق المواطنين في الحصول على محاكمات عادلة.
هكذا انقلبت الأدوار بين الأجهزة الأمنيّة التي باتت تؤكّد، ولو فوق الطّاولة، أنّها ستنفّذ القانون، وبين القضاة الذين يخوضون معركة علنيّة على قاعدة «يا قاتل يا مقتول»، على اعتبار أنّ الحصانة التي حوَّلت بعض القضاة إلى «أنصاف آلهة» ستزول حكماً مع تنفيذ القانون، ولن يكونوا بعد اليوم خارج المحاسبة. علماً أنّه ليس القانون الأوّل الذي يجرّم القضاة.

القضاة: هذه مبرّراتنا
يجاهر القضاة أنّ ما استفزّهم هو النقطة الأخيرة من المادّة الثالثة التي أشارت إلى أنّه «يتعرّض القائم بالتحقيق، سواء أكان من قضاة النيابة العامّة أم من عناصر الضابطة العدليّة، لعقوبة الحبس لمدّة تتراوح بين ثلاثة أشهر إلى سنة وبغرامة تتراوح بين مليوني ليرة لبنانيّة إلى 10 ملايين ليرة في حال لم يُراعِ أياً من الضمانات المنصوص عليها في القانون».
هنا جوهر الخلاف، إذ يعدّ القضاة المعارضون أنّ هذه المادة «غير مقبولة». ولكنّهم يحاولون إضافة اعتراضات أُخرى لحفظ ماء الوجه، ومنها خشيتهم من أن يكون لحضور المحامي في التحقيقات الأوّلية دور سلبي من خلال تلقين الموقوف الإفادة التي يراها مناسبة، وعدم تمكّن الضابطة العدليّة من الإسراع بالاستجواب وكشف الخلايا، خصوصاً في جرائم الإرهاب والقتل والخطف والسرعة، معتبرين أنّ مهلة الـ24 ساعة المُعطاة لحضور المحامي يمكن أن تكون سبباً لهرب باقي أفراد العصابة التي ينتمي إليها موقوف أو قتل مخطوف مثلاً.
كما يشير هؤلاء إلى أنّ المخافر والمفارز غير مجهّزة بأبسط الأدوات، فكيف ستكون التحقيقات مصوّرة بالصوت والصورة، بحسب ما ينص عليه القانون؟ يُظهر هذا التساؤل أنّ القضاة يحاولون لعب دور الملك أكثر من الملك نفسه، مع تأكيد الأجهزة الأمنيّة أنّها تعمل على تجهيز مراكز التحقيق بالأجهزة اللازمة لتطبيق القانون!

«القضاء الأعلى» غاضب على عون
وإلى جانب هذه الاعتراضات، يتذرّع القضاة بأنّ لجنة الإدارة والعدل النيابية لم تستطلع رأي مجلس القضاء الأعلى (رأيه استئناسي) بالقانون قبل إحالته إلى الهيئة العامة لمجلس النواب.
ويشير بعض القانونيين إلى أنّ استطلاع رأي «القضاء الأعلى» ليس إلزامياً في هذا القانون ولا تنطبق عليه أحكام المادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي، على اعتبار أنّه تعديل لقانون أصول المحاكمات الجزائيّة.
ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، مشدّدين على أنّ المجلس النيابي سيّد نفسه، سنداً إلى المادتيْن 8 و20 من الدستور اللبناني اللتين تنصّان على أن «شروط الضمانة القضائيّة وحدودها يتمّ تعيينها بقانون وتكون السلطة المشترعة مستقلّة لتحديد تلك الضمانات وحمايتها وتكريسها».
ومهما يكن من أمر، فإنّ القضاة المُعارضين لوجود ثغرة قانونيّة في التغاضي عن رأي مجلس القضاء الأعلى، هم أنفسهم من قفزوا فوق صلاحيّات المجلس وتجاهلوا وجوده.
ولذلك، فإنّ «القضاء الأعلى» يصبّ غضبه على النائبة العامة الاستئنافيّة في جبل لبنان القاضية غادة عون التي عبّرت عن استيائها من القانون لرئيس الجمهوريّة، من دون المرور بالمجلس.

هذا العتب بدا جلياً في البيان الذي أصدره مجلس القضاء السبت، حينما شدّد على أنّه «ليس هناك ما يحول دون حق القضاة في التقدّم باقتراحات في هذا الخصوص إلى المجلس عملاً بنص المادّة 44 من قانون القضاء العدلي التي من الواجب التقيّد بها لزاماً كسبيل قانونيّ وحيد لا يمكن الحياد عنه أو تجاوزه».
لا تأبه عون لهذا الغضب، بل تسأل أمام زوارها: «هل يريدون منعي من الزيارات؟»، لافتةً إلى أنها لجأت إلى مجلس القضاء الأعلى، قبل توجهها إلى بعبدا، فيما يؤكّد آخرون أنّها فعلت العكس.
وفي إطار، تشكيل «لوبي» للضغط على رئيس الجمهوريّة وحثّه على الطّعن بالقانون، تشير عون أمام زملائها إلى أنّ القانون 191 هو نسخة طبق الأصل عن أحد مشاريع الأمم المتحدة. وتوضح أنّها قامت ببحث مفصّل عن قانونٍ شبيه للقانون 191 في فرنسا، إلّا أنّها لم تجد ذلك، متغاضيةً بذلك عن مجموعة من القوانين التي تُعاقب القضاة وأعضاء الجسم القضائي عن الإخلال بالضمانات الأساسيّة للموقوفين وإنكار العدالة.

«مجموعة الطّعن»
اليوم، تبدو عون مشغولة بتجميع تواقيع القضاة، منذ أن همس أحد مستشاري رئيس الجمهوريّة ميشال عون في أذن «الريّسة» أنّ توقيع القضاة على عريضة تفصّل الثغرات في القانون 191، سيكون مخرجاً لعدم إحراج عون بعد توقيعه للقانون ونشره في الجريدة الرسميّة.
ولهذا الهدف، نجحت عون بمؤازرة عدد من القضاة والنوّاب العامين في الحصول على 170 توقيعاً، غالبيّتهم من القضاة العاملين في القضاء الجزائي. وانضمّ هؤلاء إلى مجموعة على «واتساب» تحمل اسم «مجموعة الطعن»، بهدف تنسيق خطواتهم المقبلة. مع العلم أنّ «نادي القضاة» لم يتفاعل مع هذه العريضة لا سلباً ولا إيجاباً!
في المقابل، يبدو القضاة المدافعون عن القانون في حالة صدمة، إذ أنّ حجم الاعتراضات «مخيف» ويُعدّ ربع عدد القضاة العاملين. ويشير هؤلاء إلى أنّ هذه النسبة تعكس حجم الحاجة إلى تغيير ذهنيّة القضاة وثقافتهم، وتخلّيهم عن النّظرة بدونية تجاه الضابطة العدليّة والمحامين والمواطنين، مؤكّدين أنّ هذا القانون هو «إنجاز بالنسبة إلى من يعتبر نفسه خادماً للمواطنين وتحقيق العدالة».
في المحصّلة، تبدو كالعادة أكثريّة القضاة هي الأكثريّة الصامتة، إذ لم يتفاعل على مجموعة «واتساب» إلا حوالى 70 قاضياً، مع العلم أن أسماء الموقّعين بمعظمها ما زالت سريّة. وبالتالي، ينقسم القضاة بين رافض لتطبيق هذا القانون بأي طريقة ممكنة، وبين مدافع، وبين آخرين يلفتون إلى أنّ تعديلاً طفيفاً عليه سيجعله مقبولاً «ولكننا لن نعمل على مواجهته أو منع تنفيذه، خصوصاً أنّه صار موضع التنفيذ إثر نشره في الجريدة الرسميّة».
ولكن هل سيصل المعارضون إلى نتيجة؟ يملك هؤلاء 5 أيّام قبل انقضاء مهلة تقديم الطعن (تنتهي يوم الجمعة)، فيما يؤكّد متابعون أنّ رئيس الجمهوريّة لن يُقدم على الخطوات التي تُحاول القاضية عون تسويقها عبر «الواتساب». وبالتالي، ستعود «الريسة» بسلّة فارغة من زيارتها إلى بعبدا في الأيّام المقبلة ولن يتم تحويل القانون إلى المجلس الدستوري لوقف تنفيذه.
وحده تعديل القانون هو الخيار المرجّح. وهو أيضاً الخيار الذي أوحى به «القضاء الأعلى» في بيانه. يملك القضاة المعترضون في جعبتهم «الخطّة ب» من خلال حثّ أحد النوّاب على تقديم قانون معجّل مُكرّر يتم تحويله مباشرةً إلى لجنة الإدارة والعدل يتضمّن مادة وحيدةً هي إلغاء بند سجن القضاة في حال مخالفتهم القانون 191، وإمكانيّة الاكتفاء بتغريمهم.
في المقابل، يشدّد آخرون على أنّ هذه الخطّة لن تحقّق أهداف المعترضين أيضاً بسبب سير بعض أعضاء لجنة الإدارة والعدل في اقتراحات قوانين أخرى تُكمل ما بدأه القانون 191!


القضاة vs المحامين

استفزّ حديثٌ مسرّب للنائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون عبر مجموعة القضاة على «واتساب» عدداً كبيراً من المحامين، وتشير فيه إلى أنّ القانون 191 يخدم المحامي الذي لا يهتم إلّا لمصلحته الماديّة، لافتةً إلى أن حضور المحامي للتحقيقات الأوّلية سيزيد من ثروات المحامين.
ويشدّد نقيب المحامين في الشمال محمّد المراد على أنّ «المحامين ليسوا مكسر عصا»، ويقول لـ«الأخبار»: «لستُ مهاجماً ولا متحدّياً ولكنني لا أقبل بما يصدر عن بعض القضاة من مسّ  بالمحامين».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى