محليات لبنانية

للجائحة شركاء في قتلنا

من الصعب توصيف ألم أهالي ضحايا الجائحة، وهم يتكاثرون يومياً ودون توقف منذ بداية السنة الجديدة. أكثر من ألفي ضحية، وحوالى 250 في بيروت وحدها والعداد لم يتوقف. صحيح أن الجائحة أصابت البشرية بأسرها في مقتل، لكن هناك إجماعاً بين الأختصاصيين في مجال الصحة، بأن قسطاً من المسؤولية يقع على الطبقة السياسية، من أركانها الى المعنيين بالقطاع الصحي فيها.

وهذه المسؤولية تتوزع على مستويين، خاص وعام. في المستوى الأول، ترى الأوساط الصحية في لبنان وخارجه أن التقصير كان في عدم الاستعداد لهذه الموجة، سيما أن متسعاً في الوقت توافر بين ظهور الجائحة قبل عام، وبين تاريخ الأزمة الحالية منذ 3  أسابيع. كانت السلطة السياسية قادرة على توفير أسرّة كافية للمرضى في هذا المجال، لكنها أحجمت عن ذلك. حتى الشهرين الماضيين اللذين شهدا صعوداً تدريجياً في الأعداد، كانا كافيين للاستعداد للموجة المرتقبة وفقاً لحسابات المنطقة. فتح البلاد خلال فترة الأعياد أيضاً كان قراراً خاطئاً، وأسهم في رفع أعداد المصابين بالجائحة. ذلك أن هناك رابطاً مباشراً بين الارتفاع الكبير في أعداد الوفيات من جهة، وبين امتلاء المستشفيات من جهة ثانية، وعدم قدرة الناس على تسديد الفاتورة الصحية للجائحة.

بعض المستشفيات الخاصة ما زال يرفض استقبال مرضى الكورونا، في حين تمتنع شركات التأمين الخاصة لأسباب واهية عن تغطية المصابين بالجائحة، في وقت ترتفع فيه الفاتورة الصحية على المواطنين نتيجة الارتفاع في سعر صرف الدولار. الفشل في الملف الصحي مُركب، ويُراكم مسؤولية السلطة السياسية في إدارة الاقتصاد، فوق الإهمال في الصحة وغيرها. التواطؤ كبير هنا والمواطن يدفع الثمن الأعظم.

يُضاف الى ذلك كله أن هناك انتقادات واضحة من الأوساط الطبية للسلطة لغياب أي استراتيجية واضحة لجلب اللقاح وتوزيعه على الناس. ومن الواضح أن هناك تأخيراً في الاستعداد لهذه العملية والتشبيك مع الشركات الصانعة للقاح، والأرجح أننا سنكون بين الدول المتأخرة جداً في هذا المجال. وهذا التأخير يعني دوماً المزيد من الضحايا والجثث.

طبعاً، التقصير في إدارة الجائحة، يدخل في بوابة السياسة، وله عواقب مثل سقوط الرئيس السابق دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً انخفاض شعبية رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.

ولكننا هنا أمام جريمة مُركبة وموصوفة. على المستوى الثاني، أي العام، هناك تركيز من السلطة السياسية على المصالح الضيقة، يحول دون أي خطوات إنقاذية. وهناك ارتباط بين الصحة وإجراءات الوقاية من الجائحة، من جهة، وبين الاقتصاد وتحصين قدرة الناس في ظل الاقفال المتتالي نتيجة الجائحة. لكن الأقطاب السياسية لا تريد تشكيل حكومة دون الحصول على الحصص، وما زالت تعامل الأزمات والآلام وكأنها غير موجودة، وتُصر على التعطيل وتعميق الأزمة الاقتصادية من دون أي رادع أو أدنى حس بالمسؤولية العامة.

على سبيل المثال لا الحصر، ألا تكفي المجزرة المتواصلة في البلاد اليوم لدفع السلطة السياسية الى تشكيل حكومة سريعاً ووضع خطتين مالية وصحية طارئتين؟ كلا. لا يكفي موت الآلاف، ولا يهم.

يبقى أن على أهالي الضحايا النظر ملياً الى وجوه السياسيين اللبنانيين، وحفظها، بصفتهم شركاء في الجريمة، وبلا رحمة ولا إنسانية ولا أخلاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى