تحقيقات - ملفات

أن تكون صفراً


الأخبار- جمال غصن

يعود أول استعمال مؤرَّخ لمفهوم الصفر إلى السومريين في هلال ما بين النهرين الخصيب قبل حوالى خمسة آلاف سنة، ولم يُعترف به كرقم حتى القرن السابع للميلاد في بلادنا ولم يتقبّله الأوروبي قبل القرن الثاني عشر، ومذّاك تطوّر استخدام الرقم اللارقم في علم الرياضيات إلى أن أصبح اليوم يتناصف مع الواحد العالم الرقمي الذي يتحكّم بنا أكثر فأكثر عبر شرائح المعالجات الدقيقة التي باتت محمولة في كلّ كف. نقطة الصفر في تاريخ الصفر إذن كانت عند الحضارة السومرية، حيث كانوا يتركون فراغاً مكان الصفر قبل ملئه برموز تغيّرت مع الوقت.
نقطة الصفر في أي مشروع هي بدايته، لذا من الواجب أن يكون هذا المشروع واضحاً لتحديد صفره ومساره إن وُجد. على سبيل المثال، يكثر في لبنان من اكتشف السياسة في 17 تشرين الأول 2019، واعتبر ذلك اليوم نقطة صفر في مشروع ثورة. وسبق أن حدث شيءٌ مماثلٌ ذات يوم في آذار من عام 2005. أُخرٌ كُثرٌ يحتفلون اليوم (إذا ما شطبنا العام الفائت غير المحسوب بسبب الوباء) بمئوية نقط الصفر لوطنٍ كبيرٍ. أميل شخصياً إلى اعتبار تلك نقطة صفر رئيسية من نقاط صفر عدة تكوّن حاضرنا. طبعاً، الاعتبارات الفردية لا تقدّم ولا تؤخر في السياق العام إذ أن الفرد اليوم يشكّل صفر فاصلة تسعة أصفار واحد (0.000000000125) من سكان الأرض البشر، وحتّى لو كنت بـ«ألف راجل» فلا تشكّل أكثر من صفرٍ إلا كسوراً. ومع ذلك يفضّل كثيرون اختيار نقطة صفرٍ للصراعات تناسبهم شخصياً وتتماشى مع سرديتهم الفردية والفريدة، متجاهلين السياق التاريخي قصداً أو غباءً. وهنا يتفاجأ الفرد الصفر دائماً من وقائعَ ومن سلطاتٍ ومن قوى ومن تاريخ موجود قبله ويستمرّ من بعده، وذلك لأنه يقيّم لا قيمته بقيمة خيالية، وطبعاً لا يغيب الوعد السرمدي بأن ما قبل نقطة صفره ليس كما بعدها.
أن تختار مسار الصفر هو أن تعمل على هذا الأساس الفردي، أي أن تعمل بلا تاريخ إذ تعتبر تاريخ شعبك عبئاً عليك، وبلا ثقافة إذ تعتبر ثقافة الرعاع المحيطين بك متخلّفة عنك، وبالتالي لا حضارة ولا شعب يعنيك فأنت صفرٌ مسلوخٌ عن الشعب الذي من المفترض أن تنهض به إن كنت تقود مشروع ثورة، بل يصبح مشروعك ثورة على ذلك الشعب الذي لا يرتقي إلى أوهام الصفر المَرَضِيّة. في وضعٍ طبيعيٍّ يتم تجاهل الصفر لأنه ليس أكثر من خواء، لكن عندما تُخلق فُقاعة بارزة يُعاد تصفير الصفر فيها تكراراً وجلّها من جيلٍ يبني وعيه الثوري على تطبيق الانستغرام من خلال «لَيكات» مبعثرة وسط دفقٍ خوارزميٍّ من صور مأكولات شهية وقطط شريرة يصبح الأمر تراجيكوميديا. فقاعة الأصفار خُيّل لها أنها ذات قيمة بناءً على تمويلٍ مضخّم لوظيفتها، لكنها تبقى بلا قيمة فعلية في مجتمعها. مجتمع التبجيل بالفرد المدني خاض الانتخابات النيابية الماضية متّحداً ولم يكسب أيّ كرسي بقانونٍ نسبي إلا في دائرةٍ انتخابيّة تُعتَبر «البداية»، أو نقطة الصفر، في مشروعٍ يرى أن أهل حيّ بيروتي يستحقون أربعة أضعاف تمثيل بعض المناطق المهمّشة لأسباب طبقية أولاً وطائفية أيضاً بطبيعة الحال. وها هو اليوم يسعى إلى انتخابات قد تُنتج، بأفضل الأحوال، حنكشاً ثانياً في كتلة الجميّلين أو يعقوبيانتين بدل اليعقوبيانة المستقيلة.
ابتداع المشاريع المفصّلة على قياس هذا أو ذاك لا يغيّر واقع طمس الرأس في الرمال. باختصار، أن تكون صفراً هو أن تتنصّل من الموقف المحرج تجاه الاحتلال والاستعمار والحصار وأن تتبرّأ من شعوب تخوض معارك تحرّر وطني على امتداد العالم. جرأة الصفر هي في أن تهزأ من ثبات شعوبٍ لا تأبه لنزوات أفراد يرون أن الفكر الحر هو في تقلّبات تضعهم دوماً في صف الإمبراطورية المستعمرة يردّدون رسائل إحباطٍ مؤبّدٍ تكرّسهم أصفاراً.
بالحديث عن التفصيل على القياس، نستذكر القصة الشهيرة عن ثوب الإمبراطور الخفي للدنماركي هانز كريستيان أندرسن (أو بن أندر). حيث خُدع الإمبراطور من قِبل حائكين حاكوا له رواية خيوط وأقمشة سحرية تكون خفية للأغفالِ (والغفلُ حسب القاموس هو مَن لا يُرجى خيرُه ولا يُخشى شرُّه ومَن لا حَسَبَ له من الرِّجال، أي بمعنى آخر صفرٌ). طبعاً لم يجرؤ أي من حاشية الإمبراطور أو الشعب على الاعتراف بأنه لا يرى الثوب المُحاك إلى أن فضحهم طفل بصراخه أن الإمبراطور عارٍ. فهل يجرؤ طفلٌ من حاشية عيال المرّيخ أن يصرخ في وجه حاكم التطبيع أن الأصفار الثمانية في مسافة المئتي كيلومتر التي اجتازها مسبار الأمل في كزدورته والأصفار الثمانية التي زيّنت شيك المئتي مليون دولار الذي دفعه لشراء هذا الإنجاز، لم ترفعه قيد أنملة عن نمل الأرض ولم تبتَع له برنامجاً فضائياً ولا تقدّماً علمياً، بل هو يقف عارياً مثل إمبراطور أندرسن أمام حاشية من المطبِّلين الأغفال.
لكن ما قبل اليوم ليس كما بعده، فاليوم نقطة الصفر في ثورة الأصفار وقد تكون غداً أو بعد شهر أو بعد سنة نقطة صفر جديدة حسبما تقتضيه الدورة التمويلية، المهمّ أن بالنسبة للأصفار، لا «إسرائيل» أولوية ولا الصراع مع الاستعمار يعنيهم، وخاصة أن راعيهم قرّر أنه حان وقت التطبيع.
كن صفراً إن شئت، فالمئة ألف من الليرات تحمل أصفاراً عدة رغم أنها لم تعد تكفي لتطعمك صحن كبة نية وجاط تبولة وبطحة عرق، والتي تشكّل فخر مطبخنا المحلي. والودائع المصرفية في القطاع المفخرة في اقتصادنا تنضح هي الأخرى بالأصفار، وقصتها مثل قصة ثوب الشيخِ الغُفلِ الخفيّ. لكن إن كان الصفر على اليمين يضخّم أرقاماً تصبح بلا معنى طالما يظن أصفار اليمين أن التصفير ممكنٌ عند كل مفترق، فما بالك إن كان الصفر على اليسار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى