سياسة لبنانية

لماذا تراجع باسيل؟

“ليبانون ديبايت”- عبدالله قمح

في ظل المعارك التي يخوضها “التيّار الوطني الحر”، من حماية العهد والعبور نحو التدقيق الجنائي وتأليف الحكومة، وصولاً إلى “غارات” مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، يجد النائب جبران باسيل متّسعاً من الوقت لإنتاج “مشروع مشكل جديد” وتعميمه على سائر الدوائر السياسية.

الرجل لا يهدأ، إنه “مصنع مشاكل”. كلما هدأت النفوس، يخرج باسيل ليؤجّجها مسوّقاً لفكرة جديدة أو طرح ما، سرعان ما يتحوّل إلى معركة ضروس. قالوا عنه “لا ينام”، وهو كذلك! الرجل دائم التفكير في اختراع أسباب تؤدّي غالباً إلى تحويل دوائر الإهتمام صوبه. ومن أحدث ما افتعله، التلويح بالإنتخابات النيابية المبكرة، كمعبر لنزع التكليف من سعد الحريري، الذي يتعامل معه بوكالة حصرية غير قابلة للعزل. وفي حمى دوران الإقتراح، انقضَّ باسيل عليه، وسرعان ما تراجع “تكتيكياً”، وقد أوعزَ إلى مسؤولي وكوادر تياره نزولاً إلى صف النشطاء، إطلاق النار على الطرح بهدف إسقاطه، فلماذا تراجع باسيل؟

عملياً كان من المستغرب في مكان، أن يسير رئيس “التيّار الوطني” بفكرة الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، يتبنّاها خصومه في معرض استهدافه، بصرف النظر عن الاسباب الذي أحاطها بطلبه الذي ختمه بعبارة “طبعاً لاً” كردّ على سؤال طرحه بنفسه: “هل أن الانتخابات المبكرة هي الحل؟”، لعلمه المسبّق أن خياراً من هذا النوع، في أصله، يُمارس على نية تقويض سيطرة ونفوذ وحضور رئاسة الجمهورية كما التيّار في السلطة، أي ما يمثل عملياً إستهدافاً للتيار ونهجه أكثر من غيره. كذلك، لا بد أن باسيل يعلم أن طرح الانتخابات العامة المبكرة ، أضحى مطلباً سياسياً تُنادي به غريمته “القوات اللبنانية”، وفي إعتقاد هذه الاخيرة أنه وفي مقدورها، فيما لو دُعيَ إلى إنتخابات مبكرة الآن، إنتزاع الغالبية النيابية أو بالحد الادنى المسيحية من أيدي “العونيين”، وفي اعتقادها، أن ذلك سيكرّس “التيّار” خاسراً في الانتخابات. وفيما لو حصلت مبكرة، فإن النتائج السلبية ستطال بإنعكاساتها رئاسة الجمهورية التي ستصبح نمراً بلا مخالب.

مع ذلك، مضى باسيل ملوحاً بالانتخابات، وعلى ذمة أوساط “التيّار”، أتى رأيه من بوابة شرح الآليات التي يُتاح من خلالها انتزاع التكليف “المقبوض عليه” من جانب الحريري. ووفق قولها، ما نادى باسيل أبداً بالذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة بل ألمحَ إلى ذلك، وتركها كخطوة “علاجية” وكآخر احتمال يمكن الركون إليه لاسترداد التكليف “المعتقل”.

لكن وفي المضمون، بدت “القوات” أذكى من “التيار” في طريقة مقاربتها للأمور. فهي اعتبرت أن “ميرنا الشالوحي” هي التي قلّصت المسافات السياسية الجدلية بين الطرفين وبالتالي ركنت في مكان إلى الخيار القوّاتي، وهو ما يمكّن معراب من إجراء عملية “فحص دم” لاختبار صدق نوايا الغريم من جهة، ومن جهة مقابلة لكشفه أمام الرأي العام وممارسة المزيد من الضغوطات النفسية والسياسية عليه.

وفي الأصل “القوات” عبر النائب ستريدا جعجع، لم تدع “التيار” إلى سلوك درب الإستقالة من المجلس النيابي للوصول إلى إنتخابات نيابية مبكّرة، بل على الأعمّ الأغلب، أرادت من خلال ما قدمت، نصب فخّ له لإظهار صدق نواياه من الطرح، وهو ما حصل بالفعل، إذ سرعان ما قفز “التيار” من مركب الدعوة قبل أن تبرد، وبدأ يصحّح مساره باتجاه إعادة تصويب الموقف، و بأنه أتى في معرض التساؤل عن الخيارات الممكن اتخاذها لتجميد أسر الحريري للتكليف، وهو ما ثبّت نجاح القوات في “فخّها”.

عملياً، ينقص “التيّار”، في حال صدقت دعوته، جملة أمور لتحقيق مسعاه بانتزاع التكليف أولاً ، ودفع المجلس نحو الاستقالة ثم الانتخابات المبكرة ثانياً، في أساسها بناء “منصّة توافق” بين مجموعة حلفائه بخاصة “حزب الله”. وليس سرّاً أن الحزب تفاجأ بأكثر من مضمون تخلّله مؤتمر باسيل الصحافي السبت الفائت، ولعله أبرز ما زاد من استيائه، تناول موضوع ترسيم الحدود والوفد المفاوض والمفاوضات غير المباشرة مع العدو، بشيء من الخفّة السياسية، ومن دون مراعاة وجهة نظر الحزب أو المسائل الوطنية المعلومة. إلى جانب ذلك، يُعدّ الحزب رافضاً لانتزاع التكليف من الحريري بطريقة فجّة أو كما يطرح “التيّار”، خشيةّ منه على الإستقرار السياسي الهشّ من جهة، ولعلمه بأن أي إحتمال يأتي من خلفية “نكاية”، يؤثّر على المسار العام من جهة أخرى. كذلك، الحزب يُصنّف ضمن فئة الرافضين لدعوات السير باتجاه انتخابات نيابية مبكرة، وقد أبلغَ “التيار الوطني” مسبقاً بهذا الامر، و تشاطر حركة “أمل” رأي الحزب بالإضافة إلى كوكبة من الحلفاء، الذين يعتقدون في سرّهم، أن الدعوة إلى إنتخابات نيابية مبكرة، في الأصل، هي دعوة ذات مصلحة لتحالف إقليمي – دولي، يبدأ من السعودية ولا ينتهي بالولايات المتحدة.

وتركن هنا في تفسير موقفها إلى الموقف السعودي، الذي يعتمد الحصار نهجاً في التعامل مع لبنان بشهادة ما حصل ويحصل، وهذا الحصار لم يكن ليأتي لولا استحواذ “حزب الله” وحلفائه على الغالبية النيابية، وتجميد مفاعيل تكليف الحريري ومنعه من تأليف حكومة عبر فيتو مرفوع يأتي ضمن المسار نفسه، وما تحسين ظروف علاقة معراب بالرياض إلا من زاوية تفويض الأولى نفسها كداعٍ للإنتخابات المبكرة، التي تريدها المملكة كنافذة لإنهاء مفاعيل الغالبية النيابية، وبالتالي تعتقد أنها ممر إلزامي لإنهاء سيطرة “حزب الله” المزعومة على المؤسسات السياسية وكامل السلطة في البلاد.

إذاً، المعركة من وجهة نظر الحزب وحلفائه، معركة وجود في هذا التوقيت بالذات، معركة أقرب إلى كسر العظم، فمن غير المسموح سلب المكتسبات التي تأمّنت واشتملت على منح وكالة غير قابلة للعزل إلى جبهة سياسية مدته 4 أعوام، لذا الخيار الطبيعي هو رفض خيار الإنتخابات المبكرة، وإن كان من تغيير لا بد من أن يحدث، فليحصل في موعد الانتخابات المحدّد في أيّار المقبل وعندها سيكون مرحبٌ به طالما أنه نابع من الخيار الشعبي. من هنا، وجد التيّار أن “دسّ رأسه” في هذه الفجوة أمر سيعود عليه بالضرر، فانسحب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى