الحدث

الجيش مُحصّن ومحيّد… بخطّ أحمر

17 تشرين كان مرحلة مفصلية في علاقة الجيش مع الشعب

ألان سركيس-نداء الوطن

يرتفع منسوب الخوف عند اللبنانيين بعد مشاهدتهم مرحلة تفكّك مؤسساتهم وضربها، وسط تزايد الأسئلة عن مصير الجيش مع هكذا سلطة حاكمة تعمل على تدمير البلد.

لطالما شكّل الجيش اللبناني بعد الإستقلال، المؤسسة التي يتطلّع إليها الشعب لتحقيق حلم بناء الدولة القويّة الحرّة المستقلّة، ولكن وعلى رغم كثرة الآمال التي تُعقد على المؤسسة العسكرية إلا أنه في المراحل الحساسة كانت تقف على الحياد ولا تتدخّل. أول تجربة حقيقية عاشها الجيش في الصراع الداخلي كانت أثناء ثورة 1958، يومها ورغم القوّة المالية الهائلة التي أوصل إليها الرئيس كميل شمعون لبنان والعلاقات الدولية الرفيعة كان الجيش لا يزال طريّ العود ولم يدخل كعامل حاسم في ما عُرف وقتها بـ”نصف حرب أهلية”. وبعد المواجهات التي حصلت بين الجيش والفلسطينيين بعد هزيمة 1967 العربية ومن ثم توقيع “إتفاق القاهرة” وصولاً إلى مواجهات 1973 عطّل القرار السياسي دور الجيش، ووقف الرئيس رشيد كرامي في صفّ الفلسطينيين مانعاً نزول الجيش على الأرض فاندلعت الحرب عام 1975 وتلاشى دور المؤسسة العسكرية، إلى أن أُعيد بناء القوة العسكرية بعد “اتفاق الطائف”.

وعلى رغم محاولة الإحتلال السوري إستخدام الجيش اللبناني ضدّ المقاومين الذين ينادون بالحرية والسيادة والإستقلال واستعماله كأداة قمعية في تلك الفترة لإستهداف المسيحيين ومن يُعارض الإحتلال السوري، بقي الشعب متمسّكاً بالمؤسسة العسكرية ويعرف أنها ستغير سلوكها بعد انسحاب المحتل.

رفض الجيش قمع الشعب في 14 آذار 2005، لكنه وقف موقف المتفرّج خلال أحداث 7 أيار 2008 واجتياح “حزب الله” لبيروت والجبل، ومع إنطلاق عهد الرئيس ميشال سليمان عاد الجيش ليقف في الوسط ويُحيّد نفسه عن الصراعات السياسية.

كانت إنتفاضة 17 تشرين مفصلية، إذ إنّ العهد والسلطة راهنا على قمع الجيش للمتظاهرين وفتح الطرق بالقوّة، إلا أن قائد الجيش العماد جوزاف عون إختار الوقوف في صفّ الشعب والحفاظ على الأملاك العامة والخاصة ما سبّب خلافاً بينه وبين رئيس “التيار الوطني الحرّ” النائب جبران باسيل وبعض أركان العهد.

اليوم تتجه الأنظار مجدداً إلى الجيش، ليس بسبب وقوع حدث ما، بل إنّ اللبناني يُشاهد بأم العين المخطط الرامي إلى ضرب كل المؤسسات القوية في البلد، فلماذا ترحم الجهات التي تُنفّذ هذا المخطّط الجيش اللبناني الذي يُشكّل نقطة جمع وإلتقاء داخلي وخارجي، خصوصاً أن اسم قائد الجيش يُعتبر المرشّح الأبرز للوصول إلى الرئاسة؟

ليس هناك أي أمر مستبعد في لبنان، فالقطاع المصرفي الذي شكّل الرافعة لهذا البلد سقط، ومؤسسات القضاء تواجه الغوغائيّة، وكل من يقف في وجه مشروع تغيير وجه لبنان مُعرّض للإستهداف.

وفي السياق، ترى مصادر متابعة أنّ الخطر موجود على كل مؤسسة ناجحة في هذا البلد، لذلك لا يستطيع أحد إستبعاد إستهداف الجيش مع إقتراب موعد الإستحقاق الرئاسي حتى لو أعلن العماد جوزاف عون أنه غير مرشّح للرئاسة.

لكن في المقابل، فان المؤشرات تدل على أنّ الجيش مُصان أكثر من بقية المؤسسات لأسباب عدّة أبرزها:

أولاً: على رغم الحملات التي تشن على قيادته، إلا أن أي فريق سياسي لا يستطيع الذهاب بعيداً في استهداف الجيش لأنه لا يستطيع تحمّل النتائج.

ثانياً: لا يزال الجيش يحظى برضى الغالبية الساحقة من اللبنانيين، لذلك ليس من السهل تجييش الشعب ضدّ هذه المؤسسة، فلم يدخل أحد معركة مع الشرعية إلا وخسر.

ثالثاً: لا يوجد قرار في هذه المرحلة من “حزب الله” باستهداف المؤسسة العسكرية في ظل التفاوض على الحدود البحرية مع إسرائيل، على رغم بعض الإنتقادات التي توجّه من مقربين لـ”الحزب” لقيادة الجيش على خلفية عدم قمعها المتظاهرين.

رابعاً: يبقى إستهداف قائد الجيش ضمن الإطار السياسي، وهو حتى الساعة لم يدخل في الزواريب السياسية ويتحدّث فقط بالعسكر، لذلك لم ينجح من يريد إغراقه من خلال جرّه إلى الوحول السياسية.

خامساً والأهم هو وجود قرار أميركي دولي بتحييد الجيش عن الصراعات، فالإدارة الأميركية تقدّم الدعم المباشر للجيش وتستثمر في الأمن وتعتبر أن الجيش اللبناني شريك في المعركة الكبرى في مكافحة الإرهاب، لذلك تستمرّ برعايتها المباشرة له بعكس بقية المؤسسات، وبالتالي لن يتجرأ أحد على هزّ الإستقرار الذي تريده واشنطن والدول الفاعلة.

وتمثّل الرعاية الأميركية غطاء كبيراً للجيش وخطاً أحمر لا يمكن لأفرقاء اللعبة الداخلية تجاوزه، وتراهن على الجيش للعب دور مستقبلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى