تحقيقات - ملفات

عشرية الموت والآلام السورية..بفضل روسيا

 

بسام مقداد|المدن

التقرير ، الذي أصدرته الجمعة الماضية أربع منظمات روسية للدفاع عن حقوق الإنسان ، وكما كان متوقعاً ، تجاهله كلياً الرسميون الروس ، وكذلك المواقع الإعلامية الروسية الدائرة في فضاء الكرملين ، حتى تلك ، التي كانت حتى وقت قريب تعتبر مستقلة . واقتصرت تغطيته الروسية على عدد من المواقع الإعلامية المعارضة ، القليلة أصلاً ، من دون إرفاقه بأية تعليقات ، ” خشية  التعرض للعقوبات ، التي قد تصل حد الإقفال” ، حسب مصدر ل”المدن” في موسكو شارك في المقابلات  ، التي إعتمدها التقرير .  وقد يكون الكرملين بانتظار ردة الفعل الدولية والعربية على التقرير ليقرر الموقف منه ، والعقوبات على واضعيه ، والتي قد تتراوح بين الملاحقات والمحاكمات وإدراج المنظمات المعنية  في قائمة “عميل أجنبي” ، التي سبق وضمت إثنتين منها ( جمعية ““Memorial و”المساعدة المدنية”) ، وتبقى خارج القائمة “جمعية أمهات الجنود” في سانت بطرسبورغ و “الحركة الشبابية للدفاع عن حقوق الإنسان” .

حملت النسخة الإنكليزية من التقرير عنوان “عقد مدمر” ، والعربية “عقد من الويلات” ، والروسية “عشر سنوات رهيبة” . وتراوحت عناوين نصوص المواقع الروسية بشأنه بين ” أكلتُ قطة إسمها صوفيا ، ولن أنسى ذلك أبداً” لصحيفة “Novaya” ، التي اضافت إليها “المدافعون عن حقوق الإنسان قدموا التقرير الروسي الأول عن الحرب في سوريا ، وشرحت لماذا يجب معرفة ذلك ويقرأه من هم فوق سن 18″ ؛ و”قصص الناس جعلتنا نبكي” لقناة التلفزة “Dojd” ، التي اضافت “كيف تم إعداد التقرير عن التعذيب ، الجوع والإعدامات في سوريا” ؛  و”الإنسان ، الذي مر بذلك ، هو نصف ميت” لموقع “TSN” الأوكراني الناطق بالروسية ، والذي أضاف “تقرير المدافعين عن حقوق الإنسان عن عشر سنوات حرب في سوريا” ؛ و”عشر سنوات رهيبة” لموقع “Rosbalt” ، الذي اضاف “المدافعون عن حقوق الإنسان قدموا تقريراً عن التعذيب والجوع في سوريا” ؛ و”عشرات الألوف عانوا من الدعم الروسي لبشار الأسد” للموقع الروسي “kasparov” ؛ و”المدافعون عن حقوق الإنسان : الأسد بدعم من روسيا إستخدم القنابل والسلاح الكيميائي ضد سكان سوريا” لموقع “MBK” العائد للمعارض ميخائيل خاداركوفسكي ، الذي أمضى عشر سنوات في سجون الكرملين .

كانت “المدن” قد أرسلت النسخة الروسية من التقرير لعدد من كبار الكتاب السياسيين والمعلقين الروس ، من الموالاة والمعارضة الليبرالية على السواء ، وسألتهم ما إن كانوا يرغبون في إبداء رأيهم به . ومع أن أحداً منهم لم يرد بالرفض،إلا أنهم صمتوا جميعاً ، وذلك ، على ما يبدو ، إما توافقاً مع التجاهل الرسمي للتقرير ، وإما تحسباً لردة فعل السلطات الروسية وتفادي إشكال إضافي معها .

لكن “المدن” طرحت عدداً من الأسئلة على أحد المشاركين الأساسيين في إعداد التقرير ، محامي “جمعية أمهات الجنود” في سانت بطرسبورغ ألكسندر غورباتشوف (لا صلة قرابة مع الرئيس السابق ميخائيل غورباتشوف) ، الذي شارك في الكثير من المقابلات مع ضحايا التعذيب والجوع السوريين ، بما فيها المقابلات في عرسال شمال لبنان .

رداً على سؤاله  عما إن كان التقرير ، على الرغم من أهميته الكبيرة ، قد جاء متأخراً ، وما الذي دفعهم لإعلانه الآن بالذات ، قال بأنهم ، حين بدأوا العمل في التقرير ، كانت العمليات العسكرية تشمل عملياً جميع الأراضي السورية ، وكانوا يدركون ، أن وضع تقرير نوعي ، يتطلب وقتاً . ويقول ، بأن الصراع لم ينته بعد ، لكن إعادة إعمار سوريا بعد الحرب “تجري على قدم وساق” في المناطق ، التي إنتهى الصراع فيها . ولذا ، فإن التقرير، برأيه ،  قد “يدفع الأطراف” إلى بناء مجتمع “أكثر عدالة” في سوريا ما بعد الحرب ، وإلى التحقيق في المعلومات ، التي يتضمنها التقرير ، وإلى إعادة النظر في موقفها من الحرب في تلك المناطق ، التي لم ينته الصراع فيها بعد .

وعن الهدف من وضع التقرير ، يقول الرجل ، بأن الهدف الاساسي كان إيصال المعلومات لسكان روسيا “عن المأساة السورية ، عن مأساة الناس العاديين ، الذين اصطدموا بحرب لا إنسانية” . ومن غير الصحيح القول ، بأنه لم تكن هناك حرب مع الإرهابيين ، “بل هي كانت” ، وبموازاتها كان هناك صراع سياسي داخلي ونضال ضد “النظام ، الذي “إعتبره كثيرون من المواطنين السوريين الذين سألناهم مجرماً” ، وهو ما لا تتحدث عنه كبريات وسائل الإعلام الروسية”. ويقول ، “لكن نحن تجنبنا كلياً التقويمات السياسية والإتهامات وركزنا على خرق حقوق الإنسان” .

وفي الرد على السؤال عن ردة فعل ، التي يتوقعوها من السلطات الروسية ،: التجاهل التام ، ملاحقة واضعي التقرير وإتهامهم بموجب قانون “العميل الأجنبي” ، حملة واسعة لتشويه التقرير في المجتمع الروسي، قال  بأنه لم تصدر عنها أية ردة فعل حتى الآن ، “أما ما سيكون عليه الأمر لاحقاً
فسنرى” .

وبشأن ردة الفعل الدولية المتوقعة قال ، بأن إعلان التقرير ترافق مع الكثير من  النصوص بشأنه( المواقع الغربية الناطقة بالروسية ــــ “الحرة” ، BBC، rfi ، استعرضت التقرير فور نشره) . وواضعو التقرير يريدون التصديق ، بأن المجتمع الدولي لن يسمح “بنسيان الوضع في سوريا” والناس البسطاء ، الذين حرمتهم الحرب “القريب والبيت ووسيلة العيش” .

وعن السؤال عن تأثير التقرير على الجهود ، التي تبذل لإقامة محكمة دولية بشأن سوريا ، وعلى المحاكمات الجارية في ألمانيا لعاملين سابقين في أجهزة المخابرات السورية ، وعلى قائد سابق لمنظمة إسلامية راديكالية في فرنسا ، قال ، بأنهم استخدموا في التقرير كمية كبيرة من الوثائق ، التي نشرها “زملاؤنا” من المدافعين عن حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية ، ويؤكد ، بأن الكثير من الشهادات ، التي جمعوها ، تؤكد “صحة إستنتاجات” هذه الوثائق والشهادات.  وقال “بودنا أن نأمل ، بأن المحاكم الدولية سوف تقوم بتحقيق شامل يستطيع أن يساعد في الكشف عن الحقيقة” .

وعما إذا كان التقرير يساعد في إيجاد مخرج للإستعصاء السوري ، قال غورباتشوف ، بأن التقارير نادراً ما تشكل وسيلة للخروج من المأزق . ويرى الوسيلة للخروج من الوضع المستعصي ، هي عملية التفاوض بين جميع الفرقاء المعنيين ، و”نحن على إستعداد ، حيث من الممكن والضروري ، أن نشارك في هذه العملية” .

وكان ألكسندر غورباتشوف قال في مقابلة معه الأحد المنصرم على قناة التلفزة “Dojd” ، رداً على ما يشاع عن أن التقرير يستهدف روسيا ، بأن التقرير لم يستهدف لا روسيا ولا أي طرف آخر، بل نقل ما قاله السوريون عن تحميل المسؤولية لجميع المنخرطين في القتال ،  لكن للنظام بالدرجة الأولى وللمتطرفين الإسلاميين . وعن العسكريين الروس النظاميين ، قال ، بان آراء السوريين كانت متنوعة ، وإن “كانت بشكل عام سلبية” ، ويرون أن روسيا تقوم “بدور هدام” في سوريا . وعن المرتزقة الروس “فاغنر” في وحدات “طباخ بوتين” ، نفى أن يكون قد أتى السوريون على ذكرهم .

في تعليق لأحد القراء الروس على نص حول التقرير نشرته “الحرة” الناطقة بالروسية ، بأن التقرير عن القتل والتعذيب والوحشية بحق السوريين ، كان ينبغي أن ينتهي بالقول “بفضل روسيا” .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى