تحقيقات - ملفات

مكتّف يطيح بمرشحّين رئاسيين؟

 

ليبانون ديبايت – ميشال نصر

لم يكن بالإمكان أكثر مما كان. فوكيل وزير الخارجية الأميركية دايفيد هيل أنجز مهمته بنجاح، وجّه الرسائل، رسم الحدود، كرّس اقتراحات “دوروثي شيا”، أطلق مساراً ديبلوماسياً جديداً، فجّر خلفه زوبعة من الردود السياسية وغير السياسية. 
على هذه المعادلات البسيطة، يُمكن البناء لتحليل الأحداث داخل أسوار “شركة مكتّف”، على بعد مئات الأمتار من السفارة الأميركية، حيث باتت عوكر تختصر مساحة الصراع والمواجهة.

فما يجري صورة مصغّرة عن “العصفورية” التي تعيشها البلاد، والإنقسام الذي بات يهدّد المؤسّسات بالإنحلال، لا توزيعها حصصاً بين الأطراف كما درجت العادة حتى في عزّ أيام الحرب. فالواضح أن زيارة السفير دايفيد هيل إلى بيروت جعلت البعض “تشطّ رَيلَتَه” بقدر ما جعل من آخرين “يبلعون ريقهم”، وربما “ألسنتهم”، ليشربوا “حليب سباع” و”يطحشوا” في مواجهة” حياة أو موت” بالنسبة للجميع”. أول غيث تلك الظواهر، ما أقدمت عليه مدعية عام جبل لبنان القاضية غادة عون، رداً على قرار “عزلها” من قبل مدعي عام التمييز غسان عويدات، الذي “طفح كيله” من مخالفاتها.

أما القاضية” المتّكلة” على سندة سياسية “ماكنة”، “فمش شايفة قدامها أياً من المؤسسات القضائية”، “فاتحة عدلية” على حسابها غبّ الطلب البرتقالي”، على ما يتّهمها خصومها. كيف لا؟ وهي السبب الرئيس بتوقيف مرسوم التشكيلات القضائية، الذي وضعها في مواجهة مع ثلثي الجسم القضائي.

على أي حال، يبدو المشهد واضحاً في السياسة، لا يحتاج إلى كثير من الجهد لفهمه. الجميع قرّر الهجوم إلى الأمام بعدما قلب هيل المعادلات بجلسة الخبز والملح مع حاكم المصرف المركزي، أصل العلّة وسبب البلاء، بنظر جماعة الممانعة و”المقاومة” ومن لفّ لفّهم من ألوان.

ففي تكتيك شبيه بما اعتمده الرئيس ميشال عون بُعيد مغادرة وزير الخارجية المصري سامح شكري، فأطلّ عبر الشاشات مذكّراً بأنه الجنرال، شاهراً سيف التحقيق الجنائي في وجه الجميع، فإذا بالمشهد ذاته، يتكرّر، وعون، القاضية هذه المرة، تطلّ من على شرفة “شركة مكتّف”، مخاطبةً جمهورها واعدةً بالإستمرار بالحفلة حتى تحقيق الأهداف، بدعم من “التيارالوطني الحر”، لم يقتصر على الإتصالات الهاتفية والبيانات والحملات على وسائل التواصل الإجتماعي، بل تخطّاه إلى رفد المتظاهرين والمعتصمين بمجموعات من “الحرس القديم”.

الجميل في الصراع هذه المرة، أن أحداً من الأطراف السياسية “ما تخبّى ورا إصبعه”، بل على العكس، نزلوا إلى الساحة لخوض المواجهة وجهاً لوجه، في تحرّك مضبوط على الإيقاع السياسي، على قاعدة “ريّسي أقوى من ريّسك”. فإذا “ما كبرت ما بتزغر”، وهكذا كان.

فبعيداً عما اقترفت أم لم تقترف “الريّسة عون”، من ارتكابات ومخالفات، وأبعد مما أفضت إليه الإجتماعات القضائية الطارئة، وما نطقت به من “دُرَر” وزيرة العدل “القرفانة”، جعلتها تفشّ خلقها من ضمن الإعتبارات السياسية التي انتقدتها هي نفسها، انتهى “الأكشن” الميداني بتسوية باتت واضحة المعالم، إتصال هاتفي يطلب من القاضية عون “الإنسحاب” من عوكر، وإعادة التموضع في بعبدا، تزامناً مع الحديث عن شكوى “عونية” ضد عويدات أمام الجهات القضائية المعنية، استبقها الأخير بخطوة غير متوقّعة، أحال بموجبها ملف مكتّف إلى النيابة العامة المالية، بعدما تعذّر على القاضي سامر ليشع تسلّمه،على أن يحيل مجلس القضاء الأعلى القاضية عون إلى التفتيش القضائي غداً مرة جديدة، و”تُلفلف” بذلك أحداث الأيام الماضية، مع حفظ ماء وجه الجميع.

وهنا تُطرح سلسلة تساؤلات، كيف يُمكن تفسير خطوة النائب العام التمييزي؟ إلى أي مدى يُمكن أن يصل الخلاف بين “الأزرق” و”البرتقالي”؟ وهل سيقبل تيار “المستقبل” الهزيمة؟ ماذا سيكون عليه موقف مجلس القضاء الأعلى الذي “ما عمّ يلحّق ضربات”؟ هل ينفجر؟ هل من فخّ نصب للمجلس للإطاحة برئيسه، صاحب الحظوظ الرئاسية؟ هل هي حسابات رئاسة الجمهورية من جديد؟ من المقصود من كل هذه الحفلة الرئيس سهيل عبود أم الحاكم رياض سلامة؟ وإلى أي حدود سيذهب العونيون في مواجهتهم، بعدما وصلت إليه الحرب على وسائل التواصل الإجتماعي من سقف؟

أسئلة أخرجتها إلى العلن القاضية غادة عون، أما الأجوبة فتحتاج إلى وقت لتتّضح معالمها، لتبقى ملاحظتان هامتان، بعيداً عن التجريح الشخصي والتطاول الحاصل:

ـ الأولى، تغريدة عونية لافتة، غمزت من قناة المكتّف في عملية اغتيال الشهيد بيار الجميل، في كسر واضح لكل المحرّمات وتخطّياً لكل الأعراف.

ـ أما الثانية، فتعود لمصادر حقوقية، اعتبرت أن ما قامت به “شركة مكتّف” وكذلك المصارف من عمليات مالية مع الخارج، لا يُعتبر مخالفاً للقانون، إلاّ في حال عدم ثبوت وجود عمليات تبييض أموال أو أي مصدر غير شرعي للمبالغ المحوّلة، وعليه، فإن المسؤولية “أخلاقية” أكثر منها جزائية، وبالتالي، فإن تلك الملفات لن تصل إلى أي نهاية، إلاّ في حال ثبت وجود مخالفات قانونية. وتتابع المصادر، بأن كل عمليات “دسّ النبض” التي أجريت مع الخارج بهدف بحث إمكانية إعادة هذه الأموال باءت بالفشل، على اعتبار أن أصحابها تمكّنوا من إثبات مصادرها الشرعية، “المنهوبة بالقانون”، لذلك، يبقى الحل الوحيد والأساسي إقرار قانون “الكابيتال كونترول”، الذي في ظلّ غيابه ستستمر عمليات تهريب الأموال.

خلال الحرب العالمية الثانية، وفي عزّ المعارك التي تخوضها بريطانيا، قال أحدهم لتشرشل: “الخراب عمّ البلاد، والإقتصاد تراجع، والرشوة تطال الجميع، فردّ الأخير سائلاً: “هل قضاؤنا بخير”؟ فجاءه الجواب: “نعم”، فأردف حينها: “إذن بريطانيا بخير”.

اليوم، وبعد ٨٠ سنة نسأل في لبنان السؤال نفسه ليأتينا الجواب،” القضاء في لبنان ليس بخير ولن يكون”، طالما تخنقه السلطة السياسية بوصايتها وتهيمن عليه، وطالما ارتضى هو نفسه الخضوع والخنوع رافضاً الإنتفاض والتحرّر. وبعد، هل ما زلتم تعتقدون أن العدل أساس المُلك، يسأل الشاطر حسن في بلاد “الكِل من إيدو ألو، يا جبل ما يهزّك ريح”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى