تحقيقات - ملفات

العدوان السياسي بعد العسكري ومهمّات دحره

يُعدُّ السعي الأميركي إلى تعويم «رام الله» خطوة استكمال لِمَا عجز العدو عن تحقيقه (أ ف ب )

 

الأخبار- نجيب نصر الله

الواقع أن لا فاصل بين الحرب والسياسة. وما يجمع بينهما يتجاوز الامتداد «بوسائل أخرى». فخشونة السياسة الغربية هي الوجه لآخر لخشونة وجلافة ووحشية الحروب التي حطّمت العواصم ودمّرت المدن وأبادت القرى وجوّعت المجتمعات وقتلت الناس وهجّرتهم. الاستنفار السياسي الغربي الراهن الذي يقوده وزير خارجية الولايات المتحدة أنطوني بلينكن، وحديث «التسويات» وأكاذيب «إعادة الإعمار» وأوهام «الحلول» وأهداف «الهدنة الطويلة» بعد العدوان على غزة، يشي بما يُعدّ للمنطقة المستعصية على الهيمنة من «ويلات» جديدة، خصوصاً أن التماهي المألوف والتطابق الكامل مع الحرب على غزة، الذي عبّرت عنه التصريحات والمواقف الغربية وأشكال الدعم والمساندة الأخرى، الصادرة عن واشنطن وباريس ولندن وبرلين، تكشف حقيقة المساعي المستجدّة ووجهة الجهود «الديبلوماسية» الطارئة وغاياتها القريبة والبعيدة.

الإذعان الإسرائيلي المُعبَّر عنه بوقف إطلاق النار، والعجز المشهود والموثّق بالوقائع والأرقام، صوتاً وصورة، عن صدّ صواريخ غزة ومواجهة مقاومتها المتنامية وإجماع القوى الحيّة عليها، وما عناه من «انتصار» إضافي وتراكمي ومعادلات سياسية وعسكرية جديدة مقيِّدة للوحشية الإسرائيلية، ومبدِّدة لأحلام الاستتباع ومشاريع التطبيع والاختراق، من الأمور التي يصعب على الغرب وحكوماته ابتلاعها أو هضمها بسهولة. ففشَل وكيلها الإسرائيلي في تنفيذ كامل أجندة القتل والشطب السياسي والمادي، وعجزه الفضائحي المدوّي قياساً إلى الإمكانات والموارد الغربية غير المحدودة، فَرضا على هذه الحكومات والدول (اقرأ: المافيات!) التراجُع (المؤقّت)، والتسليم (النسبي) بالوقائع الميدانية الصلبة التي فرضها الصمود وروح القتال العالية، والتوجيه – بعد استنفاد العدو مهل «الحسم» المعطاة له ولو بالنقاط، بوقف إطلاق النار كخيار أخير للتخفيف من آثار العجز والأثمان الباهظة المترتّبة عليه. فكان أن سارعت بالأصالة والوكالة، عبر الموفدين والرسائل والاتصالات الهاتفية، إلى محاولة قلب الوقائع ومحاصرة النتائج السياسية والعسكرية التأسيسية التي ارتسمت منذ الساعات الأولى التي سبقت وتلت انطلاق الصواريخ ووصولها إلى القدس، نتيجة العجز والمراوحة وتالياً الفشل. وهي إذ تقوم بما تقوم به، فلأنها تتوهّم، كما في المرّات السابقة، امتلاكها لقدرة الحيلولة دون ترسّخ تلك النتائج أو أقلّه تمدّدها المؤكد، غافلة عن أن الموازين قد اختلّت لمصلحة الخيار المقاوم، ولم تَعُد على الصورة التي كانت عليها.
لم تنتهِ الحرب إذاً، ولن تنتهي إلّا بجولة فاصلة قد لا تكون قريبة، لكن الأكيد أنها لم تَعُد ببعيدة. صمت المدافع، والطريقة المواربة التي جرى فيها، يدّل على ذلك. بل إن «هدوء» الجبهات وما سبقه ورافقه أو تلاه من حراك سياسي «عربي» وغربي، وهو أشبه بالهجوم المكمّل، يرفع من مستوى المخاطر على ما تحقّق ويستوجب من الجميع، وخصوصاً مقاومي غزّة، الحذر الإضافي والاستعداد الكامل لنزال لا يقل حدّة وضراوة عن تلك التي وسمت يوميات الحرب. النيران السياسية التي تنتظر غزة، والتي تكثّفت مع جولة بلينكن، هي أشدّ وأخطر وأخبث من العدوان نفسه. فمحاولة الإنكار الغربي المتماهي مع الإنكار الإسرائيلي الكاريكاتوري لنتائج الفشل الميداني، وسعيه إلى «تجاوز» المقاومة الفلسطينية وحتى التظاهر بتجاهلها، يؤشّران إلى المنحى العدواني التصاعدي الذي سيسلكه الهجوم الغربي. أمّا العدو الجريح والنازف، فسيُكثّف، مباشرة وعبر منتحلي صفة الوساطة العرب والغربيين، من محاولات الاستنقاذ والتعويض عن مرارة الفشل، بالسعي إلى بذل ما أمكنه بهدف محاصرة تداعياته المتدحرجة مادّياً ومعنوياً ونفسياً، عبر المزيد من الإنكار أو التفلّت من الشروط الفولاذية التي أوجدتها المقاومة، وهو ما يجد ترجمته في الإعلام الإسرائيلي الذي يعجز هو الآخر، على رغم العلائق الوريدية، عن مواكبة قيادته السياسية والعسكرية في التعامي عمّا صار واقعاً حاكماً.

من هنا، فإن السعي الأميركي الواضح والوقح إلى تعويم «رام الله»، بما تُمثّله من اختراق صهيوني لا لبس فيه، هو خطوة في هذا الاتجاه الذي يريد استكمال ما عجز العدو عن تحقيقه أو فرضه، ولملمة الانهيارات المادّية والمعنوية التي أصابت عدواها محميّات التطبيع. لذا، من الضروري أن تسارع المقاومة بمختلف فصائلها إلى منع هذا التعويم وضربه في مهده. وهذا يحتاج إلى حسم التردّد ومواصلة الحراك الشعبي وتصعيد فعّالياته ولو بالسلاح، لأن لا خوف من حرب أهلية يهدّدنا بها بعض الجبناء والمتخاذلين، وصولاً إلى إسقاط محمود عباس بوصفه درّة تاج الاختراق الصهيوني في الجسم الفلسطيني، وإلّا فإن الفرص الكبيرة التي أتاحها الصمود ومن ثمّ الانتصار، مهدّدة بالاحتواء الذي لن يتوقّف. فحاجة «رام الله» إلى من يُعوّمها لا تقل عن حاجة الصهاينة ومشغّليهم الغربيين، وهي ستقدّم مقابل التعويم المزيد والمزيد من الارتهان. ولعلّ التعويم الذي بدأت بوادره أثناء الحرب، ويتواصل بعد زيارة بلينكن، هو حبل الخلاص الوحيد من المصير القاتم الذي ينتظر عباس وعصابته على أيدي أبناء الضفة وبناتها، الذين أظهروا خلال أيام الحرب الكثير من الجسارة والإقدام، على رغم الموانع الكثيرة، بل وظهر تقدّمهم الضوئي على الفصائل التقليدية العاجزة.
إن صون المكاسب التي تحقّقت وتعزيزها يستلزمان، ومن غير إبطاء، المباشرة في مهمّة إسقاط عباس وشطبه من كامل المشهد السياسي، لأن من شأن التردّد أو التساهل والسماح له باستعادة أنفاسه أن يطيل من عمر الخراب الفلسطيني، الذي نفّذ هندسته بيُسر ما بعده يُسر، بسبب من إحجام تلك الفصائل، وفي مقدّمها الجبهتان «الشعبية» و»الديموقراطية»، عن تنكّب مسؤولياتها النضالية، وتردّدها في رفع مستوى الخطاب السياسي، وتأجيل المواجهة مع هذا الخائن الذي ربّما فاق في خسّته وخيانيّته كلّ خونة العالم. إنها اللحظة المناسبة لحسم المعركة، والقطع التامّ مع أبرز إفرازات «أوسلو» وأخطرها. فالرجل يعيش ضعفاً غير مسبوق، ومن شأن البناء على لحظة الضعف هذه، التي تأتّت من لحظة القوة الفلسطينية، السماح بالتخلّص من هذه القذارة، وفتح الباب واسعاً أمام استعادة القرار والوحدة، ومن ثمّ معاودة استئناف المعركة الأكبر. والمهمّة هذه ترقى إلى أن تكون مقدّسة، وتتطلّب من الفصائل الارتقاء بمسؤولياتها التاريخية، والاتحاد، ومغادرة مربّع التردّد، والإقدام على ما تأخّرت عن القيام به طيلة الفترة الماضية. وهنا، من المفيد التوجّه إلى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، بوصفها تُمثّل بعضاً من ضمير فلسطين الذي صنعه جورج حبش ورفاقه، وتذكير قيادتها الحالية بأن الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تتغنّى بها ليل نهار، وصارت بمثابة الشماعة التي تُعلّق عليها تراجع الكفاحية وسيطرة التردّد والانهزامية، لا تتعارض البتّة مع مهمّة قلع عباس، بل إنها هي الممرّ الإجباري لهذه الوحدة، ولْيأخذوا عبرة من الوحدة التي تجسّدت أيام العدوان، وربطت رقع الجغرافيا الفلسطينية خلف راية المقاومة. فاستمراره في منصبه الوهمي هو العائق والمانع الأساس أمام تحقيق الوحدة المنشودة، والتخلّص العاجل منه هو السبيل الوحيد إلى تحقيق هذه الوحدة وتعزيزها، ومن ثمّ البناء عليها، للوصول إلى أهداف الكفاح المسلح.
المهام كثيرة ومعقّدة، وتحتاج منا جميعاً، فلسطينيين ولبنانيين وسوريين وعراقيين ويمنيين… إلى مواصلة مسار بناء القوة ومراكمتها والاستعداد للمعركة الفاصلة التي ستعيد تصويب مسار التاريخ الذي انحرف يوم قام بعضنا، من أصحاب العواء الثوري، بالتخلّي عن جمال عبد الناصر، ومشروعه العظيم، على شوائبه التي لا تُعدّ ولا تُحصى، وجعل شعوبنا تصدّق صنّاع الظلامية العربية ذات الجذر الوهابي المقيت، التي أسهمت في تحطيم حواضرنا العربية، القاهرة ودمشق وبغداد، وهو عين ما يحاولون فعله اليوم مع مقاومة حسن نصر الله الذي قارع السماء ونجح في إعادة الاعتبار إلى فكرة المقاومة ومشروعها، الذي كاد يُقتل مع «مدريد» و»أوسلو» وغيرهما من محطّات مجلّلة بالعار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى