الحدث

عندما يعيش أهل السلطة في المريخ…


اندريه قصاص -لبنان24

يومًا بعد يوم يتأكد لنا أن أهل السلطة يعيشون في عالم آخر لا يشبه العالم الذي نعيش فيه. فلا همومهم، إذا وُجدت، تشبه همومنا. ولا تصرفاتهم اليومية توحي بأنهم يتحسّون فعلًا مآسي الناس. ولا تطلعاتهم فيها شيء من تطلعات الشعب المتروك “يقبّع شوكو بأيدو”.

عندما أعطى رئيس الجمهورية حيزًا واسعًا لموضوع التدقيق الجنائي قلنا يومها أن العربة لا توضع أمام الأحصنة، إذ يجب أن تُشكّل الحكومة قبل أي أمر آخر. ومع هذا أصرّ الرئيس عون على توجيه رسالة إلى البرلمان عقب توقف التدقيق المالي الجنائي، وأعتبر أنها لاقت إقبالاً وإجماعًا عامين. ورأى أن هذا الرهان الوطني الذي يتمسك به، والذي دأب على المطالبة به منذ العام2005، إنما يتخطى النزاعات السياسية، ومن دونه لن تكون هناك أي اتفاقية مع أي دولة راغبة في مساعدة لبنان، ولا حتى مع صندوق النقد الدولي. وجاء رد الكتل البرلمانية مؤيدًا بالإجماع لتدقيقٍ كاملٍ وشاملٍ.

ووفق ما ورد في كلمته عن هذا الموضوع يبدو أن الرئيس عون اقتنع، أو أن هناك من أوحى إليه بذلك، أن التوصية بتعميم التدقيق الجنائي على كل الوزارات والمجالس والإدارات الرسمية والمصارف ستنفذ.

فالتدقيق لم ينجح في مصرف لبنان وحده، فكيف سينجح في وزارة المال مثلًا، وفي وزارة الطاقة ووزارة الإتصالات ووزارة الأشغال وفي مجلس الإنماء والإعمار وفي مجلس الجنوب وفي الصندوق الوطني للمهجرين وكل الوزارات والادارات؟

إنها قصة طويلة تبدأ ولا تنتهي لما فيها من ألغاز وفوازير وطلعات ونزلات، وقد تحتاج إلى أكثر من شركة تدقيق عالمية لتكتشف ما في مغارة علي بابا من دهاليز وخفايا وخبايا واسرار وتجاوزات وملفات وتزويرات وصفقات وصناديق سوداء.

مَن يصدّق أن التدقيق سيطال جميع المسؤولين؟

صراحة لا أحد يصدّق، لأن وراء كل وزارة أو مجلس أو إدارة أو صندوق مسؤولًا معروفًا بالإسم والصفة والإنتماء.

ربما قد يكون رئيس الجمهورية هو من بين القلائل الذين يصدّقون هذه “الأكذوبة الكبرى”، ربما لأنه بالشخصي لم يكن مسؤولًا مباشرًا عن أي وزارة، وإن كان “التيار الوطني الحر”هو المسؤول الوحيد عن ” مغارة الطاقة” ووهم الكهرباء 24 على 24.

وعلى رغم علمنا بأن كلام النهار يمحوه الليل، وبأن القديم سيبقى على قدمه حيث لم نلمس أي تقدّم في هذا المجال، وقد ينقضي العهد قبل أن يتحقق “الحلم الرئاسي”. نرى كثيرين من المسؤولين لا يزالون يعيشون في غير كوكب، في الوقت الذي يعيش المواطنون في “جهنم”، التي بٌشّرنا بها، وقد أصبحت حقيقة.
من المستغرب ألا يشعر هؤلاء المسؤولون بمعاناة الناس، حتى ولو من بعيد، وكيف لا يزالون يحلمون أحلام اليقظة وهم عن هموم المواطن غافلون. هل يقرأون الصحف؟ هل يسمعون نشرات الأخبار؟ هل يُسمح لهم بمتابعة ما يُكتب على مواقع التواصل الإجتماعي؟

لو كانوا حقيقة يفعلون لما بقي واحد منهم على كرسيه، ولو كانوا على بيّنة مما يعانيه الشعب لما كانت تصدر عنهم تصريحات فيها أكثر من دلالة على أنهم من غير سكان عالمنا الذي يعتصر ألمًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى