الحدث

هل يدعو عون إلى حوار في بعبدا؟

“ليبانون ديبايت” – بولس عيسى

بعد ما شهدناه في مجلس النواب من مواقف ومواقف مضادة وما خلصت إليه جلسة الاستماع إلى رسالة رئيس الجمهوريّة ميشال عون للمجلس ومناقشتها، أضحى السؤال الأساس في المشهديّة السياسيّة اللبنانيّة على الصعيد الداخلي: ماذا بعد هذه الجلسة، التي استخدم فيها رئيس الجمهوريّة حقّه في توجيه رسالة إلى مجلس النواب في محاولة لفتح آفاق التأليف أو حشر الرئيس المكلّف سعد الحريري أكثّر فأكثر؟

وفي هذا الإطار، رأت أوساط سياسيّة مطّلعة أنه في المحصّلة انتهت الأمور إلى تعادل سلبي ما بين رئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف سعد الحريري، من دون أن تفضي هذه الجلسة إلى أي اختراق في الحائط الإسمنتي المسلّح الذي يسدّ طريق التأليف، مع توصية من رئيس مجلس النواب نبيه بري، بحض الرئيسين على التأليف، بحيث أن سبب هذا الموقف هو أنه لا يمكن للمجلس أن يكون في موقع تغيير القواعد الدستوريّة لجهة أنه لا يحق له سحب التكليف.

ولفتت الأوساط إلى أنه ولكل هذه الأسباب مجتمعةً، استقرّت الأمور على النحو الذي استقرّت عليه، في ظل تمسّك الرئيس الحريري بشكل واضح بتكليفه، إذ أصبح واضحاً اليوم أنه طوى صفحة ما صدر عنه عشيّة زيارة وزير الخارجيّة الفرنسي جان إيف لودريان عن احتمال إعتذاره إلى غير رجعة، وتحوّل إلى الجهة المقابلة تماماً ليقف في موقع المتمسّك بتكليفه.

وأوضحت الأوساط أن المعطى الجديد في هذه المسألة برز على لسان الحريري، في الجردة التي قدّمها لمجلس النواب بغية التأكيد أن رئيس الجمهوريّة، ومنذ اللحظة الأولى لا يريد التعاون معه ويحاول في كل الأوقات إحراجه لإخراجه، وهذا المعطى الجديد هو أن الحريري قال وبشكل واضح، أنه على رئيس الجمهوريّة أن يوقّع التشكيلة التي رفعها إليه كرئيس مكلّف، وإحالتها إلى مجلس النواب لتكون الكلمة الفيصل في هذا النزاع للأخير، فإمّا أن يمنح هذه التشكيلة الثقة أو يحجبها عنها، وبطبيعة الحال يرفض الرئيس عون هذا الأمر باعتبار أن من صلاحيّته مناقشة الرئيس المكلّف بكل تفاصيل التشكيلة ولا يقبل أن يكون أمام أمر واقع يفرضه الحريري ضارباً بالحائط الدستور، فهو يتمسّك بصلاحياته التي نصّ عليها الدستور بوضوح، وهي أن التأليف يتمّ بالتشاور ما بينه والرئيس المكلّفن فهو ليس مجرّد ساعي بريد يوقع على بريد مُرسل من الرئيس المكلّف إلى مجلس النواب ومضمونه تشكيلة الحكومة.

وأكّدت الأوساط أن الأمور لم تبارح جانب الحائط المسدود لتعود إليه مجدداً، خصوصاً وأنه ليس هناك أي تغيير في أي معطى، فلا الرئيس المكلّف بوارد الاعتذار ولا رئيس الجمهوريّة في وارد الإستقالة أو التخلّي عن صلاحياته الدستوريّة وهو يرفض أن يضع الحريري شروطاً عليه، في حين أن الأخير يرفض من جهّته أن يتجاوب مع المساعي المبذولة من أجل إجراء تسوية مع رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، وفق دعوة رئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط.

الأمور وصلت إلى هذا الحد، فما هي الخطوة التالية التي سيلجأ إليها رئيس الجمهوريّة، وهل ستفتح باب التأليف أم أنها كسابقاتها ستُبقي الأمور مقفلة؟

رأت الأوساط أنه وإلى غاية اللحظة، من الواضح أن رسالة الرئيس عون إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم تحرّك أي شيء، لا بل العقوبات الفرنسيّة التي حُكي عنها أنها ستكون على قاب قوسين من الصدور، لا تزال مُجمّدة ومُعلّقة من دون أي جديد على هذا المستوى، بحيث ان الرسالة انتهت إلى ما انتهت إليه وعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبلها.

وكشفت الأوساط نفسها، عن همس وكلام عن طاولة حوار وطنيّة، من الممكن أن يدعو لها رئيس الجمهوريّة من أجل بحث مسألة التأليف، وبالتالي يحاول عون جاهداً أن يطلّ على اللبنانيين بمظهر المسهّل للتأليف والذي يعمل كل ما في إمكانه القيام به من أجل إنجازه، ويريد عبر ما يقوم به، القول إنه ليس هو من يعطّل التأليف وإنما الفريق الآخر، كما أنه يقوم بكل هذه المبادرات، إن في الرسالة إلى الرئيس الفرنسي أو في الرسالة إلى مجلس النواب أو أيضاً في الدعوة إلى الحوار، ليقول إنه منفتح للحل إلاّ أن الطرف الآخر متعنّت ومقفل.

وتساءلت الأوساط عن موقف تيار “المستقبل”، في حال أقدم الرئيس على دعوة من هذا النوع، فهل يلبّي الدعوة؟ وفي حال لم يلبِّ فما قيمة حوار مماثل؟ هل يتكرّر مشهد طاولة حوار أيلول 2019 التي لم يشارك فيها “المستقبل” وبعض القوى الأخرى؟ ما قيمة أي حوار إذا لم يشارك فيه الطرف الآخر المعني مباشرة في أزمة التأليف؟ وهل ستشارك “القوّات اللبنانيّة” في هكذا حوار، وهي غير معنيّة كليّاً بمسألة التأليف، وقد أكّدت ذلك صراحة في إطار معارضتها لتوصية الرئيس بري في حضّ الرئيسين على التأليف، وقد برّرت موقفها هذا بأنه ينبع من قناعتها الراسخة بأنه في حال تألفت الحكومة أو لم تتألف فالأوضاع في البلاد سيّان، وهي تتمسك بأن يتم اللجوء إلى الحل الوحيد العملاني للأزمة وهو الرجوع إلى الشعب والإحتكام إلى صوته عبر انتخابات نيابيّة مبكرة؟

أما عن سبب التلاقي ما بين “القوّات” و”التيار الوطني الحر” في الموقف في جلسة الرسالة، فقد أكّدت الأوساط أن ما يشاع عن تلاق وتنسيق في الموقف غير صحيح أبداً، وبعيد كل البعد عن الحقائق والوقائع، فالمنطلقات التي ارتكزت عليها “القوّات” لاتخاذها قرار الامتناع عن التصويت على توصية الرئيس بري، تختلف بشكل جذري عن منطلقات “التيار الوطني الحر” على هذا المستوى، والذي لا يزال حتى يومنا هذا، من غير المعروف لماذا عارض التوصية. أما بالنسبة لـ”القوات” فهي أساساً تعارض أي حكومة مع هذا الفريق السياسي، أي العهد، وفي ظل هذه الأكثريّة الحاكمة لأنها تعتبر أن أي حكومة ستشكَل معه ومهما كانت مواصفاتها، فهي لن تقدّم ولن تؤخّر في وضع البلاد وستُبقي الأمور في دائرة الانهيار نفسها التي نعيشها اليوم في ظل الفراغ.

وتساءلت الأوساط عما إذا كانت من خطوات أخرى متاحة اليوم أمام الرئيس عون غير الدعوة إلى طاولة حوار؟ مشددةً على أنه في كلتا الحالتين، من الواضح اليوم أن الرئيس الحريري سيبقى رئيساً مكلّفاً، وحسان دياب رئيس حكومة تصريف أعمال حتى نهاية العهد ولن يكون هناك أي تغيير في هذا المعطى، باعتبار أنه في حال لجأ الرئيس إلى الدعوة لطاولة حوار في ظلّ عدم ضمانه مشاركة الطرف الآخر من النزاع، فماذا ستكون النتيجة؟ وهل سيحاول “جسّ النبض” قبل الإقدام على هذه الخطوة كي لا يفشل في الشكل في حال تمنّع “المستقبل” عن المشاركة؟ والسؤال الأبرز في هذا الإطار، هل تُعتبر طاولة الحوار ضرباً لصلاحيات رئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف الدستوريّة في التأليف، بحيث ان الدستور حصر التشاور ما بينهما فقط؟

وختمت الأوساط أنه حتى اللحظة، لم تظهر بشكل واضح الخطوة التاليّة التي سيلجأ إليه الرئيس عون، إلا أنه وبحسب المعلومات المتقاطعة لا شك في أن هذا الأمر هو مدار بحث كثيف ومعمّق في القصر الجمهوري اليوم، بحيث يحاول فريق العهد جاهداً إبقاء المبادرة في يد الرئيس، الذي يعتبر أنها كانت بيده في الفترة الأخيرة، إن لناحية الرسالة إلى الرئيس الفرنسي أو عبر الرسالة إلى مجلس النواب، لذا الأسابيع المقبلة كفيلة بكشف النقاب عن خطوة الرئيس التالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى