تحقيقات - ملفات

الدستور الإيراني في خدمة السلطة المطلقة (2) قبل وفاة المؤسس برزت الحاجة إلى إعادة النظر في تركيبة النظام بعد صراعات حول الصلاحيات والأدوار

حسن فحص

بعد أقل من شهرين على إعلان انتصار الثورة الإيرانية، وفي أجواء ما زالت تسيطر عليها الحماسة الثورية والشخصية الطاغية والكاريزماتية لقائدها العائد من المنفى، تمت الدعوة للتصويت على طبيعة النظام الذي من المفترض أن يقوم على أنقاض النظام الملكي.

حدد موعد الاستفتاء على طبيعة النظام تحت اسم “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” بعد حسم الجدل بين الأصوات التي دعت إلى “الجمهورية الإيرانية” وتلك التي دعت إلى “جمهورية ديمقراطية”. وقد أجري الاستفتاء على مدى يومين في 30 و31 مارس (آذار) 1979، وأعلنت النتائج في اليوم التالي الأول من أبريل (نيسان)، وجاءت بتأييد إقامة “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” بنسبة 98.2 في المئة.

الاستفتاء على طبيعة النظام جاء قبل إقرار الدستور الإيراني الجديد، الذي كتب بناء على نتيجة الاستفتاء وإسلامية النظام الجديد، بالتالي كان منسجماً مع الإرادة التي رسمتها القيادات التي اجتمعت لتدوينه، حيث سيطر علماء الدين على لجنة الصياغة أو ما عرف بمجلس خبراء الدستور حينها.

وفي حديث خاص مع عضو مجلس قيادة الثورة، عضو الجبهة الوطنية عزت الله سحابي، كشف أن المسودة الأولى التي قدمت لزعيم الثورة حينها، لم تكن تتضمن أي إشارة إلى ولاية الفقيه في الهرمية الدستورية للنظام الجديد، إلا أن دخول كل من مظفر بقائي زعيم حزب الكادحين “زحمتكشان” والمفكر الإسلامي المتشدد حسن آيت على خط صياغة الدستور، ومع الجهود التي بذلاها في المطالبة بإدخال مبدأ ولاية الفقيه، استطاعا إقناع قائد الثورة بذلك، الذي طالب بدوره بتعديل النصوص بتضمين هذا المبدأ من دون أن يكون لسلطة الولي الفقيه صلاحيات مطلقة.

في 2 و3 ديسمبر (كانون الأول) 1979، وبعد نحو ثمانية أشهر من الاستفتاء على طبيعة النظام، جرت الدعوة للاستفتاء على الدستور الجديد للجمهورية الإسلامية الذي دونه مجلس خبراء الدستور أو القانون الأساسي برئاسة آية الله حسين علي منتظري، والذي جاء حسب مقدمته منسجماً مع “توطيد أركان الحكومة الإسلامية”. وحصل الدستور الجديد على نسبة 99.5 في المئة من أصوات المشاركين، الذين بلغت نسبتهم 71.6 في المئة من مجموع الإيرانيين.

شكل الدستور الجديد القاعدة التي قامت عليها السلطة في نظام الجمهورية الإسلامية، واستمرت خلال حياة المؤسس من دون تعديل، على الرغم من العيوب التي برزت وظهرت في مرحلة التطبيق، خصوصاً ما يتعلق بموقع ودور رئيس الجمهورية في هرمية القرار داخل السلطة، إضافة إلى أن قائد الثورة أو ولي الفقيه ذا الصلاحيات غير المطلقة، مارس دوراً مؤثراً ومفصلياً يقارب الإطلاق في توجيه الدولة والنظام والمؤسسات، مستفيداً من موقعه المؤسس والكاريزمي، من دون أن يكون بحاجة إلى صلاحيات مطلقة وواسعة.

وقد برز هذا الدور بشكل واضح في تدخله الذي حسم الجدل في التعامل مع موضوع إقالة الرئيس الأول للجمهورية أبو الحسن بني صدر، إضافة إلى لجم طموحات كثير من المسؤولين بالتفرد والهيمنة على قرارات الدولة وتوجهات النظام. وتصدى لكل الانتقادات التي مارسها بعض أبناء الثورة والنظام والمؤسسة الدينية، وكان حاسماً وحازماً في استبعادهم من المراكز التي كانوا يشغلونها، من دون التوقف عند تاريخهم النضالي والمؤسس في النظام، كما حصل مع خليفته آية الله حسين علي منتظري الذي عزله في الوقت الذي حاول فيه الأخير تصويب عمل المؤسسات، انطلاقاً من موقعه ودخوله في صراع مع رئيسي الجمهورية والبرلمان حينها السيد علي خامنئي والشيخ هاشمي رفسنجاني، ما اعتبر انتصاراً من الخميني لمنطلق الدولة وضروراتها والمصلحة الإيرانية العليا التي فرضت عليه عزل، والحجر على خليفته في موقع ولاية الفقيه وأحد أبرز تلامذته.

وقبل وفاة المؤسس، ونتيجة لتطورات الأوضاع في إيران على مدى عشر سنوات من عمر الثورة والنظام الإسلامي، والتجارب السلبية والإيجابية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في التركيبة السياسية والدستورية للنظام، خصوصاً بعد أن شهدت مواقع السلطة صراعات حول الصلاحيات والأدوار، وما أدت إليه من تداخل وتضارب في المسؤوليات القانونية والإدارية، ما دفع إلى ضرورة طرح موضوع الاستفتاء على تعديل الدستور.

وبما أن الدستور الأول لم يلحظ مسألة تعديل الدستور، لذا فقد جاء الطلب من قبل رئيس الجمهورية (علي خامنئي حينها) إلى القائد الأعلى للنظام الذي دعا إلى تشكيل لجنة لإعادة النظر في الدستور، التي أقرت الاستفتاء على إدخال بعض التعديلات التي شملت حينها تغيير اسم مجلس الشورى الوطني (البرلمان) إلى مجلس الشورى الإسلامي، ورفع عدد أعضاء مجلس خبراء القيادة إلى 86 عضواً، وإلغاء منصب رئيس الوزراء، ومنح مجلس خبراء القيادة سلطة عقد الاجتماع مرة واحدة على الأقل في السنة. وتحديد ما إذا كان المرشد الأعلى “قادراً عقلياً وجسدياً على القيام بواجباته الشاقة”، إضافة إلى تحويل مجلس تشخيص مصلحة النظام إلى هيئة دائمة، لتسوية الخلاف بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور، على أن يضم أعضاء يعينهم المرشد الأعلى، فضلاً عن ممثلين عن السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية والقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات، ومجلس صيانة الدستور. وقد تضمنت التعديلات مادة مهمة وأساسية تقول بإنشاء مجلس أعلى للأمن القومي.

الصمدر: اندبندنت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى