ٍَالرئيسيةتحقيقات - ملفات

برمجيات NSO الإسرائيلية التجسسية في خدمة الأوتوقراطية ضد الصحافة: الإمارات نموذجاً

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية

نحو عشرة آلاف رقم هاتف استهدفتها بالملاحقة الإمارات عبر مجموعة NSO الاسرائيلية. صحافيون وناشطون ومعارضون ولائحة مذهلة من الأهداف التي يلاحقها نظام أبوظبي. تابعوا هذا التحقيق الخاص ضمن تسريبات بيغاسوس

هذا الموضوع جزء من “مشروع بيغاسوس” وهو تحقيق استقصائي تعاوني تم تنسيقه عبر “قصص محظورة” أو Forbidden Stories  للصحافة ومقره باريس، والمختبر التقني لمنظمة العفو الدولية. المشروع يحقق في داتا مرتبطة بمجموعة NSO الإسرائيلية للاستخبارات الرقمية والتي تبيع أنظمة مراقبة متطورة للحكومات حول العالم.

80 صحافياً يمثلون 17 مؤسسة إعلامية من حول العالم، بينها موقع “درج”، عملوا لإنتاج سلسلة التحقيقات هذه.

تومئ بعينيك أو بحركة من يديك، تحرك فمك من دون صوت، تكتب على ورقة ثم تمزقها متكلاً على ذاكرتك، تمسك بهاتفك محاذراً أن تتسلل عبره ذبذبات غير مرئية تسجّل حركتك وتصادر تاريخك المعلوماتي وتجعلك عرضة للانتهاك.

أن تغامر في العمل على منظومة معلوماتية بعيدة مما اعتدت عليه بسبب الحذر الشديد.

ببساطة، أن تعود إلى تقنيات التواصل البدائية، مطعمة بتقنيات حذرة وأن تتخلى عن معظم التطور الذي تمكنت البشرية من تحقيقه في مجال تكنولوجيا الهواتف الذكية.

كان هذا تحدياً على كل من شارك في “مشروع بيغاسوس” خوضه، فكيف يمكن أن تعمل على ملفات تتعلق بخروقات لهواتف آلاف من الشخصيات وألا تقع في الفخ نفسه وتتعرض للمراقبة؟

هناك من دفع حياته ثمناً سواء قتلاً أو سجناً وإبعاداً كما حدث ويحدث مع مئات الصحافيين والحقوقيين والمعارضين في منطقتنا.

فعلى رغم تكرار كشف انتهاكاتها على مدى السنوات الأخيرة، لا تزال صناعة المراقبة السيبرانية مستمرة في محاصرة الصحافيين والحقوقيين والمعارضين السياسيين في المنطقة. كثر استهدفتهم برمجيات “بيغاسوس” التابعة لشركة NSO الإسرائيلية التي عقدت سلسلة صفقات مع حكومات في المنطقة والعالم. وبرمجيات “بيغاسوس” استخدمت بشكل أساسي لاستهداف معارضين سياسيين وصحافيين وحقوقيين ونقابيين وأكاديميين ومسؤولين، وكثر من بينهم انتهوا نهايات شائنة والبعض الآخر انقلبت حياته رأساً على عقب.

بدأ العمل على هذه السلسلة قبل أشهر، حين اطلعت مجموعة “قصص محظورة” أو Forbidden Stories، وهي تجمع غير ربحي ومعه “منظمة العفو الدولية” على نحو 50 ألف رقم هاتف مسرب تمثل أهدافاً لبرمجية NSO التجسسية وتم استخدامها من نحو عشر دول منذ عام 2016. بعدها دعت المنظمتان مؤسسات مثل OCCRP وصحيفة “واشنطن بوست” الأميركية و”الغارديان” البريطانية ومؤسسات صحافية أخرى من بينها “درج” للمشاركة في هذا العمل الصحافي.

في سياق العمل، تم التحقق من أرقام هواتف خضعت لتحليل جنائي وفره مختبر “العفو الدولية” التقني للتأكد مما إذا كان تم اختراقها، علماً أن هناك عشرات الأرقام لا تزال مجهولة لجهة التحقق من هوية أصحابها وسبب استهدافها. هذه المتابعة مضاف اليها الداتا الخاصة بالأرقام ووثائق داخلية ومقابلات ومصادر اخرى شكلت أساسيات “مشروع بيغاسوس” وهو جهد غير مسبوق لفهم من تم استهدافه من قبل NSO وماذا حدث لهم بعد ذلك.

وبسبب طبيعة الداتا، من المستحيل التأكد من عدد الهواتف التي تم خرقها من ضمن اللائحة. وقد أفاد كثيرون ممن استهدفوا بمشروع “بيغاسوس” أنهم تلقوا رسائل نصية تحاول خداعهم للنقر على رابط فيها. التجربة يمكن أن تكون مخيفة وفيها انتهاك بالغ خصوصاً أن “بيغاسوس” أصبح برمجية أكثر تطوراً مع الوقت، والنسخة الأحدث يمكن أن تنجح في تسجيل خرق لهاتف الشخص المستهدف حتى من دون أن يفتح رابطاً مرسلاً إليه، كما يمكن أن تسجل في اللحظة فيديوات بالصوت والصورة دون علمه.

ماذا تعني أرقام الهاتف؟

الخمسون ألف رقم تعود لنحو خمسين بلداً يستهدفها زبائن NSO.

داتا المعلومات التي اطلع عليها الصحافيون المشاركون ومن بينهم فريق “درج” شملت مئات الأرقام، لكن تضمن الداتا لأرقام بعينها لا يعني أن الشخص المعني قد تم خرقه فعلا لكن يعني أن هذا الرقم وهذا الشخص أدرج ضمن تقنية بيغاسوس للاستهداف، علماً أن فريق العمل الصحافي لم يتمكن من التحقيق الجنائي من كل الأرقام الواردة.

بحسب التجمع الجغرافي للأرقام تمكن المراسلون من تحديد نحو عشر دول عمدت حكوماتها للتعاقد مع NSO وطلب خدمات التجسس السيبراني.

الدول التي اشترت خدمات من الشركة الإسرائيلية هي: المكسيك – آذربيجان – كازاخستان – هنغاريا – الهند – الإمارات العربية المتحدة – السعودية – البحرين – المغرب – رواندا – توغو.

ولفهم حجم استهداف الصحافيين والحقوقيين من مختلف الدول التي اشترت هذه التقنية بملايين الدولارات، كشف “مشروع بيغاسوس” أنه من نحو 1400 رقم هاتف تم استهدافه بالخرق وتم التحقق من هوية اصحابه هناك نحو  180 صحافياً و250 ناشطاً حقوقياً كانوا ضحايا اختراق البرمجيات الاسرائيلية. علماً أن هذه الأرقام ليست نهائية فهي تشمل فقط ما تم التحقق منه في داتا المعلومات المسربة.

من المستحيل معرفة ما إذا كان الهاتف الذي ورد في التسريبات قد تم اختراقه بنجاح دون تحليل الجهاز نفسه. ومع ذلك ، تمكن المختبر التقني التابع لمنظمة العفو الدولية ، بالشراكة مع Forbidden Stories ، من إجراء تحليلات جنائية على هواتف بعض الصحفيين، وكشف استهدافها من خلال ثغرة أمنية في أجهزة iPhone.

تكشف سجلات أرقام الهواتف التي حللتها Forbidden Stories وشركاؤها على مدى أشهر، لأول مرة عن النطاق المذهل لمراقبة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وذلك على الرغم من ادعاءات مجموعة NSO المتكررة بأن أدواتها تُستخدم حصريًا لاستهداف المجرمين الخطرين والإرهابيين.

تلقى الصحفيون الذين يظهرون في هذه السجلات تهديدات قانونية ، وتعرض آخرون للاعتقال والتشهير ، واضطر بعضهم إلى الفرار من بلدانهم بسبب الاضطهاد – ليجدوا لاحقًا أنهم ما زالوا تحت المراقبة. في حالات نادرة ، قُتل صحفيون بعد استهدافهم. توضح المعلومات التي يكشف عنها اليوم أن التكنولوجيا تتطور كأداة ضبط ومراقبة رئيسية في أيدي الجهات الحكومية القمعية ووكالات الاستخبارات التي تعمل لصالحهم.

تتوافق التحليلات التي أجراها المختبر التقني التابع لمنظمة العفو الدولية للهواتف المحمولة التي استهدفت جهاز Pegasus كجزء من مشروع Pegasus، مع التحليلات السابقة للصحفيين المستهدفين من خلال برامج التجسس الخاصة بـ NSO ، بما في ذلك عشرات الصحفيين الذين تم اختراقهم في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والتي حددتها مؤسسة Citizen Lab في ديسمبر/كانون الأول عام 2020.

الإمارات : أكثر من 10 آلاف رقم للملاحقة

على رغم الإصرار المستمر لشركة NSO على أن برمجياتها هي حصراً لـ”محاربة الجريمة والإرهاب”، وأن عملها يراعي معايير حقوقية (كما تقول في موقعها الالكتروني)، إلا أن مزيداً من الكشوفات تظهر حقائق مغايرة.

المعلومات الجديدة كشفت بدقة مثلاً استمرار نهج استهداف الإمارات لهواتف معارضين ومعارضات من بينهم الإماراتية آلاء الصديق التي توفيت في حادث سير في منفاها في لندن، وكذلك المعارض الإماراتي الأشهر أحمد منصور وعشرات من الصحافيين والأكاديميين الإماراتيين والعرب والغربيين العاملين في المنطقة، إضافة الى قادة وزعماء دول ننشر عنهم في سلسلة تحقيقات في سياق مشروع بيغاسوس.

الاختراق الإماراتي عبر شركة NSO شمل أهدافاً داخل الإمارات وفي دول مختلفة من بينها قطر ومصر ولبنان والعراق واليمن والسعودية وتمتد الى تعقب أشخا ص في دول أوروبية وآسيوية. واختلطت مروحة تلك الأهداف لتشمل الحلفاء كما الخصوم وتطاول قيادات وزعماء ومعارضين وصحافيين ودبلوماسيين واحيانا اشخاصاً عاديين ليس معروف سبب اختراق هواتفهم.

يتجاوز عدد الأرقام التي تم استهدافها بطلب إماراتي نحو العشرة آلاف رقم. والمعضلة الكبرى حين نتطلع على لائحة الأرقام والأسماء هي أن التحقق من المتابعة يستلزم أولاً التحقق من الهاتف وثانياً فحص الهاتف نفسه.  والخريطة الجغرافية الواسعة للأشخاص المستهدفين وبعدهم الجغرافي وعدم أمان التواصل الهاتفي معهم عرقل إمكانية التحقق من الكثير من الاسماء والشخصيات.

ياسر أبو هلالة

البارز كان في اللوائح التي استهدفتها الإمارات ورود نحو ثلاثة آلاف رقم قطري بينها أسماء لمسؤولين كبار من بينهم أمير قطر حمد بن تميم آل ثاني لكن تعذر التأكد من الرقم أو اجراء فحص جنائي.

صحافيو “الجزيرة” كانت لهم حصة أساسية في الاستهداف على مدى سنوات. من بين الأسماء التي تكررت اسم الصحافي الأردني ياسر أبو هلالة الذي كان مدير عام الجزيرة ما بين العامين 2014 و 2018.

ويقول أبو هلالة في حديث مع “درج” أنه يدرك أنه تعرض للاستهداف ويستذكر رسالة هاتفية مريبة وصلته في العام 2017 ونشر هذا الأمر على حسابه على “تويتر”.

أبو هلالة الذي كان على علاقة وثيقة أيضاً بخاشقجي وبالصحافي في الجزيرة وضاح خنفر والذي استهدف كذلك بالاختراق، يعتبر أن هذه الاختراقات هي “جريمة نتعرض لها كصحافيين وكمواطنين ونحن بحاجة لملاحقة هؤلاء الذين انتهكوا خصوصياتنا ولن تتوقف هذه الجريمة إلا إذا أجريت محاسبة جدية”. بالنسبة الى هلالة فإن هذه الاختراقات لا تستهدفه فقط في مجال مهنته بل أيضاً في الجانب الشخصي ذاك أنه يشترك عبر هاتفه بمجموعات واتساب لأفراد من العائلة ولأصدقاء ما يجعلهم عرضة للانتهاك أيضاً.

الإمارات ونموذج الأمنالسيبراني

تفاخر الإمارات بأنها باتت في المركز الخامس عالمياً لجهة الأمن الرقمي لديها، بعد أن طورت بنية سيبرانية متقدمة. وهذا النجاح هو جزء من الصورة البراقة التي دأبت الدولة الخليجية على تسويقه بوصفها مركز العيش الفاخر والمريح. لكن خلف كل هذا يتكرر وقوع حقائق صادمة، تحديداً تلك المتعلقة بحرية التعبير والعمل السياسي الذي يعتبر مقفلاً بالكامل. وقد ازداد هذا الميل لضبط مساحات حرية التعبير سواء في المجال العام أو عبر الفضاء الافتراضي بعد ثورات عام 2011، فأصدرت الإمارات سلسلة قوانين تحظر الكثير من التعليقات على السوشيال ميديا وتمنع الكثير من التجمعات والاحتجاجات تحت وطأة قوانين مكافحة الإرهاب.

هذه القبضة تسببت بوقوع كثير من الناشطين والحقوقيين والمعارضين في براثن الملاحقة والاعتقال وتحديداً عبر استخدام تقنيات احترافية لخرق وملاحقة من يتم استهدافهم.

فمنذ عام 2008 بدأت الإمارات بناء وحدة مراقبة سيبرانية توزعت ما بين مقر رئيسي في الإمارات وآخر في الولايات المتحدة حيث كانت شركة Cyber Point الأميركية جزء من هذا العمل الأمني ويعمل فيها ضباط مخابرات أميركيون سابقون. لكن نظراً للقيود الأميركية التي تمنع التجسس على مواطنين أميركيين تحولت الشركة لتصبح “دارك ماتر” عام 2015 وهي شركة إماراتية غير ملزمة بالقوانين الأميركية وتتبع مباشرة الحكومة لتكون ذراعها الاستخباري الرقمي.

وبحسب محمد نجم المدير التنفيذي لمنظمة Smex، للحقوق الرقمية فإن شركة “دارك ماتر” هي من أكبر شركات المراقبة في العالم وهي بمثابة الذراع الأمني للسلطة: “وجودها وتبعيتها لنظام لا يقيم وزناً لحقوق الإنسان يؤديان لأن تكون هذه التقنيات أداة سياسية خطرة تستعمل في الداخل والخارج وقابلة للتوسع وهنا مكمن خطورتها” يقول نجم في حديث لـ”درج”.

من خلال كشوفات سابقة كمثل تحقيق العفو الدولية عام 2018 وتسريبات في محطات لاحقة وكشوفات “تسريبات بيغاسوس” الجديد، يظهر بشكل ممنهج كيف تعمل الإمارات لتصبح واحدة من أكبر اللاعبين في حقل الأمن السيبراني في العالم مستندة بذلك إلى تقنيات تطورها داخل الإمارات عبر شركة “دارك ماتر” وعبر صفقات تطورت في السنوات الأخيرة مع NSO الاسرائيلية.

في هذا الموضوع سنركز على أبرز الصحافيين والحقوقيين الذين تثبت مشروع “بيغاسوس” من استهدافهم بالخرق الإماراتي عبر التقنيات الإسرائيلية.

آلاء الصديق  

في 19 حزيران/ يونيو الماضي كانت الناشطة والحقوقية الإماراتية آلاء الصديق في السيارة على طريق سريع في بريطانيا تستمع إلى الموسيقى مع صديقتين لها. إنه يوم عطلة وصودف أنه عيد ميلادها الـ33، وأصرت صديقاتها على الاحتفال بها بعد أسبوع عمل حافل.

لكن قدّر لآلاء التي كانت تجلس في المقعد الخلفي للسيارة ألا تنجو من حادث ارتطام كبير مع سيارة رباعية الدفع، فماتت على الفور مثيرة الكثير من الشكوك والتكهنات حول ما إذا كانت وفاتها مدبرة أم بسبب حادث عرضي.

التحقيقات البريطانية خلصت إلى أن موتها بسبب حادث وهو ما أكده يحيى عسيري، الحقوقي السعودي ومدير مؤسسة “القسط” الذي كانت تعمل معه آلاء، إذ أوضح لـ”درج” أنه اطلع على التحقيقات وتحقق من استبعاد أي شبهات جنائية حول مقتلها.

في الفترة التي دار الجدل فيها حول ظروف موتها برز اسم آلاء في وثائق بيغاسوس كأحد الذين كانوا مستهدفين بالاختراق الإماراتي عبر NSO الاسرائيلية ما بين عامي 2018 ومنتصف 2019، أي في الفترة التي انتقلت فيها من قطر الى بريطانيا. ولفهم لماذا يمكن أن تستهدف الإمارات هذه الناشطة الشابة، يبرز للأذهان حديث كان أدلى به وزير الخارجية القطري محمد عبدالرحمن آل ثاني عام 2018 وكشف فيه أن الإمارات كانت قد طلبت من قطر قبيل الأزمة الخليجية (2015) بشهرين تسليم زوجة معارض إماراتي مقيم في الدوحة: “قبيل الأزمة بشهرين رصدنا هجمات من الإعلام الإماراتي، وتواصلنا معهم لحل المشاكل بشكل ثنائي. أبو ظبي طلبت تسليم زوجة معارض إماراتي مقيمة في الدوحة. وأرسل ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد مبعوثين لأمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2015 للمطالبة بتسليم المرأة”.

في التصريح نفسه أكد المسؤول القطري أن أمير بلاده رفض تسليم هذه المرأة التي تبين لاحقاً أنها آلاء الصديق، وهو ما أكده في الحديث معنا مدير مؤسسة القسط يحيى عسيري، فآلاء كانت مع زوجها المعارض الإماراتي عبدالرحمن باجبير في قطر وهو أحد أبرز المطلوبين على قوائم السلطات الإماراتية.

اللغط الذي أثير حول موت آلاء وبروز اسمها كهدف للاختراق يرتبط بطبيعة عملها وهويتها وعائلتها، فآلاء الصديق، هي المدير التنفيذي لمنظمة “القسط” ، وهي منظمة غير حكومية رائدة تسلط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية ، وهي ابنة السجين محمد الصديق، وقد توفيت آلاء دون أن تتمكن التحدث الى والدها منذ سنوات حيث يقبع في سجون الإمارات.

عمدت السلطات الإماراتية الى تجريد الاء وإخوتها التسعة من جنسيتهم في مارس / آذار 2016. فرت آلاء إلى قطر في عام 2012 ثم انتقلت إلى المملكة المتحدة في عام 2019.

حكم على والد آلاء محمد الصديق بالسجن 10 سنوات في محاكمة “الإمارات -94”. وقبل إدانته ، تم تجريده من جنسيته أيضاً في كانون الأول/ ديسمبر 2011، بعد توقيعه على عريضة تطالب بإصلاحات ديمقراطية.

في  تموز/ يوليو 2013  وفي ذروة انطلاق ما عرف حينها بالثورات المضادة في العالم العربي بعد الثورات العربية ضد الاستبداد، كانت الإمارات تمارس تشدداً حيال أي رأي ناقد أو معارض. وفعلاً أُدين 69 رجلاً في محاكمة جماعية بتهمة التخطيط للإطاحة بحكومة الإمارات. وحُكم عليهم بالسجن لمدد طويلة تصل إلى 15 عاماً.

وسط هذه الأجواء برز شغف آلاء بالعمل الحقوقي، فانتقلت مع زوجها من الامارات الى قطر ولاحقاً الى لندن. وعلى رغم حداثة سنها لكن آلاء تمكنت خلال سنوات قليلة من العمل الحقوقي في رحلة انتقالها من الإمارات الى قطر ومن ثم لندن أن تثبت حضوراً وحيوية بالغين في مجال الدفاع عن حرية التعبير والعمل السياسي.

فمن خلال ملامحها الدقيقة الناعمة وابتسامتها التي تحضر دائماً ومقابلاتها ومشاركتها في الكثير من المظاهرات والندوات والنشاط الحقوقي بات لآلاء حضور لافت.

يروي عسيري أن شغف آلاء بالعمل الحقوقي كان طاغياً، فهي بادرت للتطوع والعمل في مؤسسة “القسط”، على رغم أنها مؤسسة تعنى بالانتهاكات في السعودية لا الإمارات، “قالت لي أريد أن أتعلم فإما أن أدفعك لتغطية الانتهاكات في الإمارات وإما أن أتعلم وأفعل ذلك بنفسي… آلاء كانت محركاً أساسياً للعمل هنا في القسط فأظهرت جدية وحيوية، إلى أن أصبحت مديرة تنفيذية في المؤسسة”، يكمل عسيري كلامه مشيراً بأسف الى الخسارة التي حصلت برحيل آلاء “قبل يوم من وفاتها كانت تعمل لوقت متأخر واحتفلنا بعيد ميلادها في المكتب وكنا نتحدث عن مشاريع جديدة، لكن لم يكتب لها أن تستمر”.

أحمد منصور

أحمد منصور هو الحقوقي الأشهر في الإمارات والمسجون حالياً هناك.

عرف أحمد بجرأته وبإدارته نقاشات إلكترونية علنية مطالباً بإصلاحات سياسية في الإمارات. تعرض لسلسلة ملاحقات واختراقات عبر هاتفه وهي حقائق تم التثبت منها في مرحلة سابقة عبر مشروع “سيتزين لاب” وتم التأكد منها مجدداً في “مشروع بيغاسوس”، حيث تبين خرق هاتفه في الفترة التي سبقت اعتقاله عام 2017.

تعد قضية منصور الأبرز بسبب الانتهاكات الكبرى التي تعرض لها عبر ملاحقته وخرق هاتفه واعتقاله المتكرر وتعرضه لسوء المعاملة والتعذيب. تم اعتقاله بداية مع خمسة آخرين عام 2011 وحكم عليه بالسجن 3 سنوات لكن أطلق سراحه بعفو أميري. في عام 2012 اكتشف منصور للمرة الأولى أنه يتم التجسس عليه وهو ما كشفه “سيتزن لاب” حينها وتسبب بأن تحاول شركة آبل للهاتف تعديل خاصيات فيها لتفادي الخرق. لكن استمر تكرار خرق هاتف منصور الذي اعتقل مرة أخرى عام 2017 بتهمة نشر أكاذيب عبر السوشيال ميديا، وهو في السجن منذ ذلك التاريخ حيث ذكرت تقارير حقوقية أنه تعرض للتعذيب وسوء المعاملة.

تسريبات “بيغاسوس” وفرت معلومات عن استهدافه على فترات ومنها ما سبق اعتقاله الأخير بفترة قصيرة. لم يكن ليحصل هذا لولا خدمات NSO الاسرائيلية ومعها “دارك ماتر” الإماراتية، ما يؤكد أن التفاصيل التي وفرتها الداتا مرتبطة بتعقبه واعتقاله.

الإمارات تتجسس على سعوديين أيضاً

وفرت خدمات NSO إمكانية تعقب الشخصيات نفسها من قبل مشغلين مختلفين، وبرز تعقب معارضين ونشطاء من أكثر من دولة.

فمثلاً لم يقتصر اختراق هواتف نشطاء وحقوقيين سعوديين على السلطات السعودية بل تعداها لتكون الإمارات أيضاً خلف اختراق مماثل لبعض تلك الشخصيات السعودية، والاختراق شمل نشطاء معارضين كما شمل صحافيين وكتاباً ممن يعتبرون حلفاء للإمارات.

شملت الخروقات الاماراتية بحسب تسريبات “بيغاسوس” الناشطة المعروفة لجين الهذلول، والناشط المقيم في كندا عمر عبدالعزيز الذي ترد قصته في الملف المتعلق بالاختراقات السعودية بحق المعارضين. وشملت الاختراقات السياسي المعارض سعد الفقيه وعبد الله الغامدي والمقدم الساخر غانم المصارير الدوسري.

يحي عسيري

الحقوقي السعودي يحيى عسيري والذي ترصدته اختراقات سعودية شمله الاختراق الإماراتي ايضاً. لم يفاجأ عسيري بحقيقة أنه هدف متكرر لاختراق هاتفه ويقول لـ”درج”: “نعيش في وقت خاطئ وظروف خاطئة ولا بد من استمرار الجهد على رغم كل التهديدات من أجل مستقبل أولادنا لذا سنواصل المحاولة. أحياناً أرغب في الابتعاد قليلاً لكن حين أرى رفاقاً تعرضوا لاعتداء ما يصبح من الصعب أن أخاف أو أن أتوقف”

العسيري كان يعمل في قسم الإمدادات اللوجستية في سلاح الجو الملكي السعودية في الطائف. كانت له عين ناقدة للأوضاع داخل المملكة وفسحت له منابر الإنترنت مساحات للنقاش عام 2008 عبر منتديات لم يكن يستخدم فيها اسمه الظاهر. خاف العسيري من اكتشاف نشاطه السياسي عبر الانترنت بعدما سأله مسؤوله في سلاح الجو، فدبر رحلة انتقال إلى بريطانيا هو وزوجته، وهناك أسس عسيري منظمة “القسط” لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية.

وكما في كشوفات سابقة في تقرير العفو الدولية عن اختراقات تعرض لها عسيري، سجل مشروع “بيغاسوس” تفاصيل أوسع لتكرار خرق هاتفه سعودياً وإماراتياً عبر البرمجيات الاسرائيلية.

وعند سؤال عسيري عن معنى الاستمرار في العمل والتحدث عبر هاتف ممكن أن يكون مخترقاً ويشكل تهديداً وهو شخص فقد أصدقاء وزملاء بأساليب بشعة، أجاب: ” لو اتخذنا الاحتياطات الامنية والتقنية الكاملة سيكون علينا حينها أن نتوقف عن العمل. نعم، نحاول الحد من المخاطر فما زلنا نعيش مرحلة قمع لكن خروج أي شخص من السجن أو أي إنجاز مهما كان محدوداً، هو تقدم وهذا ما يشجعنا على الاستمرار، على رغم كل المخاوف، فلا بد من الاستمرار من أجل العدالة”.

وعما إذا كان العسيري سيخوض مسار الملاحقات القضائية بحق الشركة الإسرائيلية على غرار ما فعله مواطن عمر عبدالعزيز واخرون يقول: “بخصوص المسار القضائي فهو يحتاج الى وقت ويحتاج الى مال وأنا لا أملك أيا منهما لكن هناك احتمال كبير بعد التطورات الأخيرة (مشروع بيغاسوس) أن أفعل. “

وكان ناشطون اماراتيون قد رفعوا دعاوى قضائية ضد إسرائيل وضد مجموعة NSO في كل من إسرائيل وقبرص داعين الى محاسبة الشركة.

استهداف الإمارات شمل الكثير من وسائل الإعلام والصحافيين في دول خارج الإمارات لتشمل هواتف في دول مثل مثلاً هواتف صحافيين وصحافيات منهم يعمل في وسائل إعلام تابعة لإيران وأخرى تعمل في وسائل إعلام تعتبر حليفة للإمارات، وتحديداً شخصيات إعلامية سعودية بارزة كان استهدافها بالتنصت متكرراً وعلى فترات.

صحافيون وحقوقيون غربيون لهم حصتهم من الاختراق

برادلي هوب، هو صحافي أميركي معروف يعمل مع صحيفة “وول ستريت جورنال” WSJ ومقره لندن ويغطي قضايا المال. من مؤلفاته “الدم والنفط” الذي صدر عام 2020 ويتناول صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وحياته الباذخة، وقبله ألف عام 2015 كتاب “حوت المليار دولار” عن فضيحة فساد في ماليزيا لها ارتباطات بصندوق تموله الإمارات.

تكرر اسم برادلي في الداتا، ويعتقد أن استهدافه له علاقة بنوعية المعلومات التي نشرها في كتبه وتغطياته التي ركزت على منطقة الشرق الأوسط والخليج. كذلك شملت الداتا اسماء مثل مراسل “الفايننشال تايمز” في الامارات سيمون كير، الصحافي الإنكليزي غريغ كارستورم وهو مراسل “الايكونوميست”، وكارولين تاوز، مديرة العمليات في “سي ان ان” دبي، والصحافي التركي توران كسيلاكي وهو صديق مقرب من الصحافي السعودي المغدور جمال خاشقجي.

كما شلمت داتا “بيغاسوس” اسم الاكاديمي البريطاني ماثيو هيدغز الذي اعتقل عام 2018 في الامارات حين كان يغادر ابوظبي بعد زيارة جامعية بحثية اعتقل خلالها ليحكم عليه بالسجن مدى الحياة لكن تم العفو عنه بعد أيام. هيدغز أعلن بعد إطلاق سراحه أنه تعرض لتعذيب نفسي خلال فترة احتجازه.

NSO رائدة قوى الظلام السيبرانية

تقدر منظمة “برايفيسي انترناشونال” البريطانية غير الحكومية أن هناك 27 شركة اسرائيلية على الاقل ناشطة في مجال برمجيات وبرامج التجسس والتنصت على أجهزة الهواتف الخليوية. وهذا الرقم يضع اسرائيل البالغ عدد سكانها 8 ملايين نسمة، في طليعة التصنيف العالمي للشركات في هذا المجال.

ربما تكون مجموعة NSO الأكثر شهرة وإثارة للجدل، وهي جزء من عدد من شركات الهاكرز مقابل أجر المتخصصة في اقتحام الهواتف المحمولة. تورطت NSO في عدد من الحالات التي استخدمت فيها الحكومات تقنية Pegasus، لقرصنة الهاتف لتعقب منتقدي الأنظمة وخصومها ونشطاء حقوق الإنسان. تقول NSO مبررة إنها تطور التكنولوجيا فقط ولا يمكنها أن تتحمل مسؤولية ما يفعله عملاؤها من الحكومات. لكن حين يطرح السؤال حول ما إذا كانت الشركة الاسرائيلية تعرف أنهم يلاحقون صحافيين وناشطين حقوقيين؟

الجواب البديهي هو طبعا كانوا يعرفون.

منذ اعلان اتفاقات ابراهام للسلام خريف عام 2020 وبدأ العلاقات الرسمية بين اسرائيل والامارات برزت التكنولوجيا كأحد نقاط الاهتمام الرئيس والتي تبين أنها كانت سابقة على إعلان اتفاق السلام.

صحيفة «كلكليست» الاقتصادية الاسرائيلية كانت نشرت مقابلة مع رئيس الأمن السيبراني لحكومة الإمارات، محمد حمد الكويتي، نقلت فيها على لسانه، إن بلاده عملت مع شركات سايبر إسرائيلية، قبل توقيع معاهدة السلام، «إسرائيل شريك استراتيجي لنا، وهي متقدمة جيداً في مجال الدفاع السيبراني وبناء مناعة إلكترونية، نريد التعلم منها….”  ولمح المسؤول الإماراتي، وفقاً للصحيفة، إلى استخدام بلاده برنامج التجسس «بيغاسوس»، الذي طورته شركة NSO الإسرائيلية، في إطار مكافحة الإرهاب، «ما أعرفه هو أن NSO توفر أداة تساعد هيئات الأمن القومي في مكافحة الإرهاب. الإرهاب أضر بنا وأضر بإسرائيل. إذا كان بإمكان NSO توفير الأدوات التي تساعد في هذه الجوانب دون انتهاك خصوصية شخص ما، وفقاً للأوامر القضائية التي تنظم عمل وكالات إنفاذ القانون فقط – إذاً بالتأكيد. سوف يساعد ذلك في منع الإرهاب وإنقاذ الأرواح».

ندرك اليوم مجدداً بعد كشوفات مشروع “بيغاسوس” أن هذا الكلام ليس سوى هراء.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى