تحقيقات - ملفات

سعد الحريري: رجل حافل بالاعتذارات والاستقالات

9 أشهر يا سعد الحريري جعلتنا ننتظر، 9 أشهر يا جبران باسيل وأنت تلعب بأعصابنا، 9 أشهر يا فخامة الرئيس وأنت ترفض التشكيلات وتطلب أخرى، 9 أشهر يا “حزب الله” من الجوع والغلاء والمراوحة. 9 أشهر والآن ماذا؟

يأتي اعتذار سعد الحريري عن تشكيل الحكومة اللبنانية بعد 9 أشهر من المماطلة والاستعصاء، كأفضل تعبير عن انعدام الشعور بالمسؤولية بين رئاسة الجمهورية وضمنها رئيس التيار الوطني الحر” جبران باسيل، وصولاً إلى الحريري نفسه. وهو اعتذار يبدو غير مقبول فعلاً في ظل الأزمة الاقتصادية والمصرفية الحالكة والتي جعلت الحد الأدنى للأجور لا تتعدّى قيمته الـ30 دولاراً.

حين تكتب على محرك البحث “غوغل”، “استقالة الحريري”، تطالعك أكثر من استقالة وأكثر من اعتذار، فتاريخ الرجل يعجّ بالاستقالات والاعتذارات التي أعلن آخرها في 15 تموز/ يوليو 2021. واستقالات الرجل يمكن جمعها كلها في أكواريوم العجز، فالرجل يحاول استمالة الظروف وتحريك مياه البحر، ثم يعود إلى الأكواريوم المعتاد، معلناً أنه لا يستطيع.

عام 2009، وبعد شهرين ونصف الشهر من تكليفه بتشكيل الحكومة قدم الحريري إلى رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان تصوراً لتشكيل الحكومة، إلا أن المعارضة رفضت هذه التشكيلة. فأعلن بعد لقائه سليمان اعتذاره عن تشكيل الحكومة.

ثم أعاد سليمان تكليفه بتشكيل الحكومة بعدما أعادت أكثرية نواب المجلس تسميته لرئاسة الحكومة. وبعد حوارات ومناقشات ومفاوضات شاقة استطاع أن يعلن عن تشكيل حكومته الأولى في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009. إلا أن الحكومة واجهت صعوبات كبيرة مع اقتراب صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فأعلن وزراء تكتل “الإصلاح والتغيير” و”حركة أمل “و”حزب الله” استقالتهم من الحكومة وقد تبعهم في الاستقالة وزير الدولة عدنان السيد حسين الذي أعلن أن استقالته جاءت لتمكين المؤسسات من تشكيل حكومة جديدة تُلبّي طموحات الوحدة والاستقرار. أدت استقالة الوزراء الأحد عشر إلى فقدان الحكومة نصابها الدستوري وبالتالي اعتبارها مستقيلة.

بعدَ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية قامَ الأخير بتكليفِ الحريري رسمياً لرئاسَةِ الحكومة وذلكَ في 11 تشرين الثاني 2016، ونال الحريري 110 صوتاً من النواب، وشكّل حكومته الثانية بعد 40 يوماً من التكليف.

في يوم الجمعة 3 تشرين الثاني 2017، توجه الحريري في زيارةٍ مُفاجئة إلى السعودية، ليعلن في اليوم التالي استقالة حكومته في كلمةٍ مُتلفزةٍ مفاجئة بثتها قناة العربية.

ثم عدل عن استقالته أو “تريّث” بناء على طلب رئيس الجمهورية ميشال عون.

ثم على وقع انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019، قدّم الحريري استقالة الحكومة، تلبية لنداء الشارع.

وآخر الاستقالات تسقط علينا الآن على وقع انهيار اقتصادي فادح وبعد استعصاء واضح في التشكيل بفعل مناكفات سياسية بينه وبين صهر الرئيس عون، النائب جبران باسيل، بمباركة “حزب الله”، الحاكم الفعلي للبلاد. انتهت المناكفات بتطاير التشكيلات الحكومية المتعددة التي قدّمها الحريري وقد رُفضت كلها، تارة بسبب “حقوق المسيحيين” وطوراً بذريعة شكل الحكومة التي أرادها الحريري تكنوقراطية وأرادها خصومه سياسية.

استقالة الحكومة تأتي الآن على وقع استمرار المماطلة في محاسبة المسؤولين عن تفجير بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، وبعد يومين من وقوف أهالي الضحايا أمام منزل وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي، مطالبين إياه بالسماح بمثول مدير عام الأمن العام عباس ابراهيم للتحقيق معه في قضية المرفأ. ويومها حمل الأهالي النعوش مرّة أخرى لعلّ أحدهم يشعر بألمهم.

إنها استقالة على وقع دم أكثر من 200 إنسان ومعاناة آلاف المشردين والجرحى الذين لم يرأف بهم أحد في هذه المنظومة الحاكمة. إنها المنظومة التي أنتجها نظام المحاصصة والطائفية والفساد، وهي لا تفعل سوى اجترار نفسها والتشتت من عجر إلى آخر حتى الاستقالة أو الاعتذار.

الآن عاد الحريري إلى بيته خائباً، ومثله جميع اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون تشكيل حكومة منذ أشهر، أي منذ إعلان حسان دياب استقالة حكومته إثر انفجار 4 آب. أما الدولار فيصعد برشاقة إلى ما شاء الله وقد تجاوز الـ21 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد.

9 أشهر يا سعد الحريري جعلتنا ننتظر، 9 أشهر يا جبران باسيل وأنت تلعب بأعصابنا، 9 أشهر يا فخامة الرئيس وأنت ترفض التشكيلات وتطلب أخرى، 9 أشهر يا “حزب الله” من الجوع والغلاء والمراوحة. 9 أشهر والآن ماذا؟ هل يراد تحميل جميع المصائب لحكومة حسان دياب المستقيلة قبل أي بحث جدي بحكومة تنقذ البلاد؟ هل لا أمل بحكومة قبل رفع الدعم كله على عاتق دياب ورفاقه، أي تجويع اللبنانيين بما يعنيه المعنى الحرفيّ للكلمة؟ ثمّ هل يحاولون تمييع التحقيق وإلهاءنا بترهات الحريري وجبران مجدداً؟ جبران وسعد، الثنائي الذي يوم اتفق دفعنا نحن الثمن، وحين افترقا، نحن أيضاً من دفع الثمن.

هل ينتظرون أن ننسى ما حصل في 4 آب ونسامح ونصفح عن الجميع، قبل أن تقرر المنظومة القاتلة تشكيل حكومة تدّعي بها أنها ستنقذنا من الحفرة التي أوقعتنا بها؟

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى