سياسة لبنانية

الحكومة الجديدة: انتصار شكلي لعون ومغامرة خطيرة لميقاتي!

لا شك ان الحكومة الجديدة بطريقة توزيع حصصها وبشخصيات وزرائها لا تلبي طموح رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ومن خلفه رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل ولا تشبه تلك التي كانا يحلمان بها كآداة تنفيذية لمشروعهم الانقاذي للعهد في عامه الاخير. صحيح انهما نال الثلث المعطل، وان كانا كما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يرفضان الاقرار بذلك لاعتبارات شتى.صحيح انهما حققا القسم الاكبر من مطالبهما وشروطهما وبشكل اساسي رفضا الخضوع للتوجه القائل بأن صلاحية الرئيس تقتضي حصرا التوقيع على التشكيلة او رفضها، فكانا شريكين باختيار القسم الاكبر من الاسماء وتوزيع الحصص، الا انه مقابل كل هذه “الانتصارات” خسارات مدوية ابرزها الموافقة على تعيين يوسف خليل مدير العمليات المالية في مصرف لبنان، المسؤول الاساسي عن تنفيذ الهندسات المالية “الشهيرة”، وزيرا للمال.

فطرح اسم خليل من قبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري لم يكن عابرا وهو شكل بحد ذاته مثالا صارخا عن سياسة النكايات التي ينتهجها الثنائي عون- بري في التعاطي مع بعضهما البعض. تعيين خليل رسالة واضحة لعون بأن ايا من السياسات المالية التي يسعى اليها لن تمر وبأن رياض سلامة مستمر بقيادة المصرف المركزي وبأن التدقيق الجنائي لن يجد طريقه للتنفيذ… وهذه حقائق كفيلة وحدها باحباط عون والعونيين والحسم بأن العام الاخير من العهد سيكون مشابها تماما للاعوام التي مضت.

وخلال عملية احصاء باقي الخسائر، لا يمكن الا التوقف عند حصول رئيس “المردة” سليمان فرنجية الذي تحول في السنوات الماضية عدوا لدودا للثنائي عون- باسيل على وزارتين احداهما رئيسية فارضا توزير شخصيتين من كسروان، برسالة لها ابعاد كثيرة على عتبة الاستحقاقين النيابي والرئاسي.

في ميزان الربح والخسارة تبين لعون ان تشكيل هكذا حكومة يبقى مربحا له اكثر من تمضية عامه الاخير في بعبدا مفتقرا لآداة تنفيذية باعتبار ان حكومة حسان دياب التي ظنها يوما الحكومة الحلم بالنسبة له ما لبثت ان انقلبت عليه وبخاصة مع قرار رئيسها التمرد ورفض تصريف الاعمال ظنا انه بذلك يرد الصاع صاعين للقوى التي تركته عند منتصف الطريق ولم تقم بأي حركة لمنع استقالته وعلى رأسها الرئيس عون وحزب الله. قرار دياب هذا كان له وقعا كارثيا على عون الذي اعتقد لوهلة انه قادر على تحقيق ما يبتغيه عبر حكومة تصريف الاعمال وحتى الضغط عبرها لتأليف حكومة جديدة تلبي كل طموحاته، فأتت الرياح بما لا تشتهيهه سفنه.

قد لا تعني لعون من الآن وصاعدا اي خسارة باعتباره خسر عهده نتيجة الحصار والمناكفات والنكايات السياسية، وهو كما يوحي يعد الايام للعودة الى الرابية. لكن بخلافه، يبدو ان هناك الكثير الذي قد يخسره ميقاتي في هذه المغامرة التي قرر خوضها سواء عبر قبوله بالتكليف واخيرا تشكيله الحكومة عشية رفع الدعم، وهو ما يستغربه كثيرون باعتبار انه كان قادر على تفادي تجرع هذه الكأس المرة وترك عون “في بوز المدفع”.. اما اليوم وبهذه التشكيلة المكتملة يضع نفسه في الصفوف الامامية بمواجهة الناس الذين لم يعد يعنيهم تحديد المسؤوليات بتجرد ومحاسبة من اوصلهم للجحيم الذي يتخبطون به وبات كل ما يهمهم ان يأتي من ينتشلهم منه.

وما يجعل مشوار ميقاتي الحكومي اشيه بمغامرة خطيرة هو انه لا يحظى بأي غطاء عربي وبالتحديد خليجي، فالدعم الاميركي- الفرنسي لن يؤمن له المليارات التي يحتاجها بشدة الاقتصاد اللبناني وسيقتصر على فتح ابواب التفاوض مجددا مع صندوق النقد الذي لا شك لن تكون القرارات التي ستتخذه على اثره شعبية، ما سينعكس سلبا عليه في الانتخابات النيابية المقبلة بعد النتائج الكاسحة التي حققها عام ٢٠١٨ في طرابلس..لكن يبدو ان هناك من همس في اذن رئيس “العزم” انه قادر على فرض نفسه زعيما سنيا على مستوى الوطن ككل مع تلاشي الزعامة الحريرية.

اذا في حسابات الربح والخسارة، يبدو عون وميقاتي متساويين الى حد كبير مع انتهاء مرحلة التشكيل، فهل يستمران كفريقان يتصارعان لتحقيق المكاسب الشخصية والطائفية قي مرحلة اعداد البيان الوزاري ومن بعدها الحكم؟ ام يتجاوزان هذا الصراع فيخوضان المواجهة صفا واحدا بوجه مجموعات المجتمع المدني والجو التغييري استعدادا لمعركة كسر عضم بين سلطة تحاول من خلال هذه الحكومة تبييض صفحتها وقوى تعتبر الاستحقاق المقبل اشبه بمعركة حياة او موت؟!

بولا اسطيح

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى